ماجد بن علي الهادي
"العقل ليس وعاءً يجب ملؤه، بل نارًا يجب إيقاظها".
بلوتارخ
عندما يكون دماغك قادرًا على استشعار وقراءة أدمغة وعقول المحيطين بك، معنى ذلك أن عقلك الواعي يقظ، ويتمتع بمهارة استقراء لغة الجسد. وقادر على تحليل الانفعالات وفق البيئة النفسية المحيطة بك، ويحول الاستقراءات والتحليلات إلى اللاوعي ليضاهي بها مصفوفات البيانات المخزنة سلفًا. هذه المهارة والتقنية النفسية يهبها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء لعباده، وعلى الموهوب استثمارها وصقلها وممارستها في جوانب الخير والابتكار والإبداع. وهي، في الحقيقة، ليست لها علاقة بالمنظور التوصيفي الديني المحدد؛ وإنما ما أشير إليه الجانب العلمي النفسي تحديدًا، لأن، كما أسلفت، يهبها الله لمن يشاء من عباده. بعد الصقل والممارسة على الوجه الصحيح والمسار العلمي الدقيق، سيتمكن الدماغ من صنع خاصية التقنية الاستباقية لمراقبة الصحة النفسية الشاملة بشقيها العاطفي والفسيولوجي، كمراقبة الخوف والحزن والاندفاعات، هذا من جانب عاطفي؛ أما الجانب الفسيولوجي فسيراقب خفقان القلب، وشد العضلات، والبرودة، على سبيل المثال لا الحصر.
هذه الاستشعارات والمراقبة العميقة والدقيقة، تحفز العقل اللاواعي لاستخراج الطاقات اللازمة لمعايرة الحالات والمواقف، أيًّا كان نوعها وفاعلها. وبالتالي تتمايز العقول وتختلف الرؤية وفق الزوايا الفكرية التي زرعت في ثنايا العقل. بالتأكيد أن المعطيات لها دور كبير في تغذية الفكر، لها دور كبير في تطوير نمط التفكير الإدراكي. وهذه الأدوار لا تستنبط من فراغ، وإنما من خلال الاستنتاجات التي تكاملت بها التحليلات المنطقية للموقف ذاته. فسرعة البديهة والإدراك السريع والإحساس المسبق للشيء، هي بمثابة عملية ومعادلة فرضية تتعامل معها الخلايا العصبية باستجابة عقلانية، لا يشوبها خلل أو اختلال. قد يكون للجينات الوراثية دور في تكوين النشأة الفطرية، لكنها لا تصل إلى الاستشعار المتناسق للتحليل البياني، كون صقل العقل يحتاج له التغذية العلمية أكثر مما تحتاجه الخلايا العصبية من الإفرازات الطبيعية الفطرية.
أن تفهم عقلك الباطن فأنت في المسار الصحيح والسليم لطريق حياتك، أن تعي عقلك اللاواعي معنى ذلك بأنك قادر على التحكم في المجريات المستفزة في حياتك. لأن عقلك الظاهر، إن كان باستطاعته تحويل المشاعر غير المفهومة إلى بيانات واضحة يُمكن إدارتها، فإنه بذلك سيتحكم في التوتر وردود الفعل الاندفاعية، سيسيطر على المشاعر والأحاسيس، حيث سيقولبها في إطار الاتزان النفسي والمعنوي، وستغدو النفس به متدثرة بالسكينة والطمأنينة. المبدأ الأساسي لترجمة المشاعر والأحاسيس إلى تصرفات وأفعال يرتكز على مفاهيم ومعادلات متعنونة بكنه التصرفات والأفعال، وهذا لا يتأتى إلا من خلال المحافظة على سلامة العقل والفكر. السلامة المنبثقة من الإحاطة بكل ما هو مضر من معلومات وبيانات متوفرة من مصادر مجهولة الهوية والهدف.
درب عقلك على الممارسة الصحيحة للتفكير، وتأكد من الفرضيات والمعطيات التي يصورها لك، هل هي مبالغ فيها أم منطقية. حتى وإن كانت منطقية وقابلة للقياس، يجب عليك الاتصاف والتحلي بقناعة الأمر ورغبتك التي لا مراء فيها. فكم من أمور وأهداف مكتملة الأركان والزوايا الفكرية والعقلية والنفسية، ضاعت في مهب الريح بسبب (الخمول الفكري)، وأعني بالخمول التكاسل مع مرور الأيام والنكوص بصورة غريبة، الذي سيتسبب بموت الحماس والإثارة. وهذا ليس لعيب في التفكير أو خلل في التدبير، وإنما طبيعة الإنسان الذي يسلم مفاتيح عقله لأوهام شك الضعف وريبة اللامبالاة. فضلًا عن ذلك، مؤثرات البيئة المحيطة من رفقاء ومقربين، فتأثيرهم السلبي المباشر يعد من الأسباب القوية لزرع الإحباط واليأس.
يتأثر العقل بالأفكار السلبية، لا سيما تلك التي تتمحور حول الماضي، المشحونة بالندم والضيق والإفراط فيهما. والاعتيادية الحتمية لا ترحم في هذا الشأن، حيث ستسحب معها إرهاصات الخوف من المستقبل المجهول، كونه مرتبطًا بالندم على الماضي، خاصة إذا كان الموقف مصيريًا. وفي هذه الحالة ستتساوى في العقل التراكمات مع الفرضيات (سلبًا). لم تنفع البنية العقلية، ولا الذكاء الحاد، ولا سرعة البديهة، ولا التفكير المنطقي. فهناك سحابة قاتمة ترفرف فوق الرأس اسمها اليأس، هناك ظلام طويل يسكن العقل ولا يعي النور، بل لا يوجد في مصفوفة التفكير الإدراكي أبدًا. وللخروج من هذا الظلام الدامس ولطرد السحب القاتمة، على العقل أن يغتسل من نقاء نهر الإيجابية بكل ما يحمله من معنى (قولًا وفعلًا). على سبيل المثال: (أنا قادر، أنا ناجح، أنا أثق في نفسي وفي إمكانياتي ومهاراتي وقدراتي، وغيرها من الكلمات والجمل الإيجابية المشابهة). ستتحفز الخلايا العصبية، وستفرز مكامن القوة لديك لدرجة لم تتصورها يومًا، وستعرف بأنك تملك قوة لا تضاهى.. فقط كانت محتاجة إلى من يخرجها من قمقمها.
