"وا معتصماه" ظفار.. مدرسة في المروءة

 

 

نور الشحرية

"وااامعتصماه".. ليست مجرد صرخةٍ خلدها التاريخ، بل رمزٌ لكل نخوةٍ استجابت لنداء الملهوف، حتى أصبحت في الوجدان العربي مرادفًا للمروءة وإغاثة المحتاج. غير أن ما شهدته عُمان في قصة الطفل أحمد العجمي قدّم صورةً أسمى من الاستغاثة نفسها؛ فلم تكن هناك صرخة، ولا توسّل، ولا دموع تستدر عطف النَّاس.

كانت أمٌ تتحدث عن مرض ابنها بثبات المؤمن بقضاء الله، ويقين من أحسن الظن بربه ثم بمجتمعه. كانت تتحدث وكأنها تخبر عن أمر عابر، لا عن طفل يحتاج إلى علاج تتجاوز قيمته مليونًا واثنين وتسعين ألف ريال عُماني. وبينما كانت الكلمات تخرج هادئة، كان أحمد، الذي لم يُكمل عامه السادس، يظهر تارةً على سرير المرض، وتارةً أخرى يحاول أن يعيش طفولته بكل ما بقي فيه من براءة وقوة.

في تلك اللحظة أدركت أن المروءة قد ارتقت منزلةً جديدة؛ فلم يعد الإنسان ينتظر أن يسمع "وااامعتصماه" حتى يهب، بل يكفيه أن يعلم أن هناك طفلًا يصارع المرض، فتتحرك الرحمة قبل أن ترتفع الاستغاثة، ويستيقظ الضمير قبل أن يُطلب منه.

ولعلَّ هذا هو الوجه الحقيقي للمجتمع العُماني؛ مجتمعٌ عُرف عبر تاريخه بالكرم، والتسامح، وحسن الجوار، حتى غدا الإنسان العُماني في نظر كثير من الشعوب مثالًا للإنسان المسالم، الكريم، المحب للخير. وهي سمعة لم يصنعها الإعلام، وإنما صنعتها المواقف التي تناقلتها الأجيال، فبقيت الأخلاق العُمانية رأس مالٍ لا ينضب، وإرثًا تتناقله البيوت كما تتناقل أسماء الآباء والأجداد.

وفي هذا الإرث العريق، برزت محافظة ظفار في حملة أحمد العجمي نموذجًا يستحق أن يُوثق، لا لأنها تحتكر الكرم، فالكرم يسكن كل بيت عُماني، ولكن لأنها قدمت درسًا مُعاصرًا في كيف تتحول القيم إلى أفعال، وكيف يصبح التكافل ثقافةً لا موسمية، والمروءة سلوكًا يوميًا لا شعارًا يرفع في الأزمات.

لقد كان المشهد مهيبًا. رجالٌ تبرعوا بأموالهم، وآخرون بسياراتهم، وغيرهم بمواشيهم وأراضيهم، ونساءٌ قدمن ذهبهن وحُليهنَّ، وأخريات تبرعن بأراضٍ يملكنها، وأطفالٌ فتحوا حصالاتهم الصغيرة، ومتقاعدون اقتطعوا من رواتبهم ومنافعهم، وكأن الجميع اتفق على أن أحمد ليس ابن أسرته وحدها، بل ابن المجتمع كله.

وكان للمرأة الظفارية حضور يستحق أن يُكتب بماء الذهب. فمع أن كثيرًا منهن ربات بيوت، ولا يملكن مصادر دخل كبيرة، إلا أنهن شكّلن مجموعات نسوية جمعت مبالغ تجاوزت عشرات الآلاف من الريالات، فيما بادرت أخريات بالتبرع بأراضٍ يملكنها، إلى جانب الذهب والحلي. لقد أثبتت المرأة العُمانية أن المروءة ليست حكرًا على الرجال، وأن البيوت التي تُربي أبناءها على الكرم، تُربي بناتها عليه أيضًا.

وفي تلك الحملة اختفى الفارق بين الغني والفقير، لأن ميزان المروءة لا يعرف لغة الأرقام. فقد تكون عشرة ريالات هي أقصى ما يستطيع إنسان أن يقدمه، بينما لا تمثل مئة ألف ريال إلا جزءًا يسيرًا من مقدرة آخر. وفي ميزان الله، وفي ميزان المروءة، قد يتساويان؛ لأن الجود الحقيقي هو الجود بالموجود، لا الجود بكثرة الموجود. فالهمة لا تُقاس بحجم المال، وإنما بنسبة التضحية. وما يبذله الفقير من قوته قد يسبق عند الله ما يبذله الغني من فضل ماله.

ولعل أجمل ما يميز الكرم في ظفار أن المعطي لا يشعر أنه تفضل، ولا ينظر إلى عطائه بمنّة أو خيلاء، لأن الكرم فيها ليس بطولةً طارئة، بل خلقًا متوارثًا. فلا كبير على العطاء، ولا صغير عليه، ولا غني يحتكر الخير، ولا فقير يستحي من المشاركة. يعطي الناس لأنهم يرون ذلك واجبًا قبل أن يكون فضلًا، ولأنهم تربوا على أن الإنسان لا يترك أخاه وقت الحاجة.

ولم تكن هذه الروح وليدة حملة أحمد العجمي، ولن تنتهي بانتهائها. فقد عرفت ظفار، عبر عقود، صورًا مشرقة في فك الكرب، وسداد الديون، وإغاثة المحتاجين، حتى إن بعض الحالات جُمعت لها مئات الآلاف خلال أيام معدودة. كما امتدت أياديها إلى المحافظات الأخرى، وكان من أجمل صورها هبة ظفار لإغاثة المتضررين من إعصار شاهين، في رسالة تؤكد أن الأخ يبقى قريبًا وإن باعدت بينه المسافات، وأن الوطن أسرة واحدة إذا اشتكى منها عضو، تداعى له سائر الجسد.

ولم يكن أحمد أول طفل يلتف حوله العمانيون، فقد سبقته، وتزامنت معه، حملات إنسانية عديدة، من أبرزها حملة الطفل سالم الشيدي في محافظة شمال الباطنة، والتي تجاوزت تبرعاتها نصف مليون ريال قبل اكتمال حملة أحمد. وما إن انطلقت حملة أحمد حتى بادر عدد من أبناء ظفار ورجال أعمالها إلى تقديم تبرعات سخية لكلا الطفلين، إدراكًا منهم أن المرض لا يعرف الجغرافيا، وأن الطفل العُماني ابنٌ لكل بيت في هذا الوطن. واليوم، وبعد أن اكتملت حملة أحمد في وقت قياسي، يبقى الأمل أن تتكاتف القلوب ذاتها لاستكمال علاج سالم، حتى يثبت المجتمع العُماني مرة أخرى أنه لا يترك أبناءه وحدهم.

ولا يمكن الحديث عن هذه المواقف دون الوقوف بإجلال أمام رجال الأعمال الذين عرفتهم ظفار وعُمان في الشدائد قبل الرخاء. رجالٌ لم تجعلهم التجارة بعيدين عن الناس، بل قربتهم منهم. شهدت لهم المحافظة في الأنواء المناخية، وفي حملات الإغاثة، وفي علاج المرضى، وفي كثير من المبادرات الإنسانية، حتى أصبح حضورهم في الأزمات متوقعًا كما يُنتظر حضور رجال الإنقاذ.

وهؤلاء لا يستحقون الشكر وحده، بل يستحقون الوفاء. فمن الطبيعي أن تكون المسؤولية المجتمعية معيارًا إضافيًا عند المفاضلة بين المؤسسات المتقاربة في الجودة والسعر؛ لأن من وقف مع المجتمع في شدته، يستحق أن يقف المجتمع معه في رخائه. وليس في ذلك انتقاص من غيره، ولا ادعاء بمعرفة من أعطى أو لم يعطِ بعيدًا عن الأضواء، وإنما هو تقدير لما شهدت به الأعين، وتشجيع لثقافة المسؤولية المجتمعية حتى تصبح ميدانًا تتنافس فيه المؤسسات كما تتنافس في جودة منتجاتها وخدماتها.

وقد يرى بعض الناس أن القبائل أو الأفخاذ أو الولايات تتنافس ليكون لها السبق ، وإذا كان هذا التنافس يدفع إلى مزيد من البذل والإحسان، ولا يقوم على التعالي أو الانتقاص من الآخرين، فهو تنافسٌ محمود نفتخر به. بل إن المجتمع الذي يتنافس أبناؤه على إنقاذ مريض، أو تفريج كربة، أو إدخال السرور على أسرة منكوبة، هو مجتمع حي لم تمت فيه المروءة. وقد أرشدنا الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

لقد أثبتت هذه التجربة أن المجتمع العُماني يملك رأس مالٍ أخلاقيًا عظيمًا، لكنه يحتاج إلى إطار مؤسسي يحفظه ويعظم أثره.

فالدولة هي الحضن الأول للمواطن، والمجتمع هو الحضن الذي يكمل هذا الدور، وليس بديلًا عنه. وعندما يلتقي التنظيم الرسمي مع الرحمة الشعبية، تتحول المبادرات من استجابة طارئة إلى منظومة وطنية مستدامة تحفظ كرامة المريض، وتعزز ثقة المواطن بأن وطنه لا يتركه في أشد لحظات حاجته.

لقد اكتملت حملة أحمد العجمي، لكن قصتها لم تنتهِ؛ لأنها لم تكن قصة جمع أكثر من مليون ريال، بل قصة وطن جمع مليون معنى. لقد أثبتت أن الثروة الحقيقية لعُمان ليست النفط، ولا الغاز، ولا ما في باطن الأرض، وإنما الإنسان العُماني. ذلك الإنسان الذي ورث عن آبائه المروءة قبل المال، والرحمة قبل الرفاه، والنخوة قبل النداء.

وما قدمته ظفار لم يكن رسالة تقول إنها أفضل من غيرها، بل رسالة تقول لكل محافظات عُمان: تنافسوا في الخير، وتنافسوا في الرحمة، وتنافسوا في صناعة الأمل، ففي ذلك فليتنافس المتنافسون. فالأوطان لا تبنيها الثروات وحدها، وإنما يبنيها رجال ونساء يحملون في قلوبهم من الرحمة ما يجعلهم يرون وجع طفل واحد قضية وطن بأكمله.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z