الخلاف لا يُؤتَمن عليه الغريب

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

حين تمزقت الأندلس إلى دويلاتٍ متنازعة لم يكن خصومها في أشد أحوالهم قوة لكن الخلاف بين أهلها فتح لهم ما عجزوا عنه بالسيف. واستعان بعض الملوك بخصمه الخارجي على أخيه حتى انتهى الأمر بضياع الأندلس مدينةً بعد مدينة. ولم يكن السقوط يومها نتيجة قوة العدو وحده بل نتيجة بابٍ فُتح له من الداخل.

وهكذا هي الأوطان؛ فليست كل الهزائم تبدأ بقوة العدو، بل كثيرٌ منها يبدأ حين يعلو الخلاف بين أهلها على مصلحة أوطانهم.

لا توجد دولة تخلو من اختلافات سياسية أو اجتماعية فذلك جزء من طبيعة المجتمعات. لكن الدول تختلف في طريقة إدارة هذا الاختلاف؛ فمنها من يجعله مساحة للإصلاح ومنها من يتحول فيه الخلاف إلى منفذ يتسلل منه الآخرون؛ فالخلاف ما دام بين أهله يبقى باب الإصلاح مفتوحًا أمّا إذا خرج من حدوده فلن يعود كما كان، وربما لم يعد ملكًا لأصحابه أصلًا.

ومن حق الشعوب أن تنتقد وأن تطالب بالإصلاح وأن تختلف مع حكوماتها، لكن من حق الوطن أيضًا ألا تتحول هذه الخلافات إلى أداة تُستخدم خارج حدوده أو تُدار من وراء حدوده. فالإصلاح الذي ينطلق من الداخل يقوّي الدولة، أما الذي يُدار من الخارج فلا يخدم إلا مصالح المتدخلين.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تبدو بعض الدول وكأنها تدور في دائرة لا تنتهي من الخلافات؟ أهو ضعف في إدارة الاختلاف؟ أم أن طبيعة المرحلة جعلت منه بابًا مفتوحًا للتأثير الخارجي؟

ثم يبرز سؤال آخر: هل هذا الواقع صناعة داخلية خالصة؟ أم أنه نتيجة تراكم طويل لتداخلات سياسية وإقليمية زادت المشهد تعقيدًا؟ وفي كل الأحوال فإن إدارة الخلاف لا تقل أهمية عن إدارة الأمن والاقتصاد والسياسة، بل قد تكون هي الأساس الذي تُبنى عليه بقية الملفات.

وقد وضع القرآن أصلًا جامعًا حين قال تعالى: ﴿وَإنَّ هَٰذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون﴾. غير أن الواقع اليوم يفرض سؤالًا موجعًا: كيف تحولت هذه الأمة الواحدة إلى ساحات من التباين والخصومات حتى صار التفاهم أصعب من الاختلاف نفسه؟

ولعل القضية الفلسطينية وغزة على وجه الخصوص تقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فكلما اتسعت الخلافات تراجعت القدرة على مواجهة التحديات وازدادت فرص فرض الوقائع على الأرض. وغزة تعيش منذ سنوات حصارًا وحروبًا ودمارًا متواصلًا، بينما يتراجع حضور المأساة في الإعلام رغم أن الألم لم يتراجع يومًا. وفي النهاية يبقى الإنسان الفلسطيني هو الخاسر الأول قبل أي حسابات سياسية.

فالعدو لا يحتاج إلى أن يصنع كلَّ الانقسامات، بل يكفيه أن يجد خلافًا قائمًا فينفخ فيه حتى يصبح أداةً تخدم مصالحه.

وما شهدته دول عربية أخرى يؤكد أن المشهد يتكرر: يبدأ الخلاف داخليًا ثم يتسع ثم يجد من الخارج من يُغذّيه أو يوظفه. وبعد سنوات يكتشف الجميع أن مساحة القرار الوطني قد ضاقت، وأن النتائج لم تكن كما أرادها أصحاب الخلاف في بدايته.

والسياسة تفرّق بين إدارة الشأن الداخلي وإدارة العلاقات الخارجية؛ فالأولى تقوم على الحوار والنقد والإصلاح، أما الثانية فتقوم على حماية السيادة والمصالح العليا. وإذا اختلط المساران فقدت الدولة جزءًا من قدرتها على إدارة خلافاتها بنفسها.

ولهذا فإن الدول لا تُهزم دائمًا عند حدودها، بل قد تُهزم عندما تعجز عن إدارة اختلافاتها بحكمة. فالخصم الخارجي لا يحتاج في كل مرة إلى قوة عسكرية إذا وجد خلافًا يتحول مع الوقت إلى انقسام دائم.

وعندما يتدخل الغريب في الشأن الداخلي لا يبقى الخلاف بين أطرافه فقط، بل يصبح جزءًا من حسابات تتجاوز حدود الدولة ومصالح شعبها.

وإذا كانت الخلافات الداخلية أمرًا لا يخلو منه مجتمع، فإنها لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للتخلي عن القضايا الكبرى التي تجمع الأمة، وفي مقدمتها فلسطين، ولا أن تُضعف الموقف تجاه المآسي الإنسانية التي تتصدرها غزة. فالاختلاف في الرأي لا يُلغي الاتفاق على الثوابت، ولا يبرر أن ينشغل الجميع بخلافاتهم بينما يستمر نزيف الأبرياء في كل أرضٍ إسلامية وعربية.

قد يختلف الناس في السياسة والرأي ووسائل الإصلاح، وهذا أمر طبيعي. لكن هناك مبدأ لا ينبغي تجاوزه: الخلاف لا يُؤتَمن عليه الغريب.

فيا أُمَّةَ لا إلهَ إلَّا اللهُ، مُحمَّدٌ رسولُ الله، اجعلوا الاختلاف سبيلًا للإصلاح لا بوابةً للتنازع، واجعلوا الائتلاف على الثوابت أقوى من الخلاف على التفاصيل. فما من أمةٍ حفظت وحدتها إلا اشتد عودها، وما من أمةٍ فتحت أبوابها للفرقة إلا تسلّل إليها من لا يريد بها خيرًا.

فالأوطان تُبنى بالتكاتف، والأمم تعلو بالوحدة، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصمُوا بحَبْل اللَّه جَميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

الخلاف إذا بقي بين أهله كان طريقًا للإصلاح، وإذا خرج إلى يد الغريب صار طريقًا إلى الوصاية. وبين الإصلاح والوصاية قد يضيع وطن، وقد تضيع أُمَّة.

ولهذا ستبقى الحقيقة التي لا يغيّرها الزمان: الخلافُ لا يُؤتَمَن عليه الغريب.

الأكثر قراءة

z