عباس الزدجالي
بينما يتحرك أسطول الشحن العالمي على مدار الساعة لتأمين شريان الحياة للاقتصاد الدولي عبر مضيق هرمز، تواجه البيئة البحرية لسلطنة عُمان نزيفًا بيئيًا واقتصاديًا صامتًا يستوجب وقفة دولية حازمة للتطبيق الفعلي لمبدأ "الملوث يدفع"؛ إذ لا يمكن أن تجني الشركات العالمية ثمار هذا الممر الحيوي، بينما تتحمل السواحل العُمانية بمفردها كلفة الدمار البيئي المتراكم.
البيانات الإحصائية لحركة الملاحة البحرية تعكس تدفقات هائلة تضع المنطقة تحت ضغط بيئي دائم؛ حيث يعبر المضيق ما بين 80 إلى 130 سفينة يوميًا، بمتوسط يصل إلى 100 سفينة، من بينها عشرات ناقلات النفط العملاقة التي تنقل نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، ما يعادل نحو ثلث النفط المنقول بحرًا حول العالم.
وتُترجَم هذه الحركة إلى عبور ما يقارب 2400 إلى 3900 سفينة شهريًا في المياه المتاخمة للمحافظات الساحلية العُمانية، ليتجاوز الإجمالي السنوي حاجز 30 ألفًا إلى 40 ألف سفينة، تتقدمها أكثر من 5 آلاف ناقلة نفط عملاقة تمر بمحاذاة الشواطئ العُمانية مباشرة، محملة بالخام والمشتقات الخطرة.
ولا تكمن المشكلة الحقيقية في احتمالات وقوع حوادث اصطدام أو جنوح كبرى فحسب، بل في الفاتورة البيئية الصامتة الناتجة عن ظاهرة خطيرة ومستمرة تُعرف بـ"التسربات النفطية مجهولة المصدر"؛ حيث تعمد بعض السفن والناقلات العابرة، تحت جنح الظلام، إلى غسيل خزاناتها وتفريغ مياه الموازنة الملوثة بالنفط في المياه الدولية القريبة، تهربًا من رسوم التخلص القانوني، لتسحب الرياح والتيارات البحرية بقع الزيت وكريات القار الأسود نحو الشواطئ العُمانية النظيفة، وتغرس خناجرها في خاصرة الطبيعة البكر.
هذا التلوث المتراكم يتسبب في خنق الشعاب المرجانية الحساسة، خاصة في محمية جزر الديمانيات ومحافظة مسندم، حيث يترسب النفط الثقيل فوقها ويحجب عنها الضوء والأكسجين، مما يؤدي إلى ابيضاضها وموتها، وهو ما يهدد 49 نوعًا فريدًا من المرجان تعتمد عليها آلاف الكائنات البحرية كمأوى طبيعي، فضلًا عن تسببه في إبادة الحياة الفطرية ونفوق الطيور البحرية بعد التصاق المواد الهيدروكربونية بريشها وشل حركتها، وتشكيل خطر داهم على شواطئ تعشيش السلاحف العالمية في رأس الحد ومصيرة؛ حيث تتسمم السلاحف البالغة أثناء وضع البيض، وتموت صغارها فور خروجها إلى الشواطئ الملوثة.
وتتجاوز هذه الأضرار الجانب البيئي النظري لتتحول إلى ضربات موجعة للاقتصاد الساحلي والأمن المائي والغذائي، مما يهدد ركائز رؤية "عُمان 2040" لتنويع مصادر الدخل؛ حيث يصاب قطاع الصيد التقليدي بالشلل جراء التصاق بقع الزيت بشباك ومعدات الصيادين الحرفيين وإتلافها بالكامل، ناهيك عن تراجع المخزون السمكي طويل الأمد نتيجة تسمم اليرقات وفشل عمليات التفقيس، فضلًا عن الحظر المؤقت للصيد الذي يحرم آلاف الأسر العُمانية من مصدر رزقها اليومي.
ويمتد هذا الكساد ليضرب الهوية السياحية النظيفة للسلطنة القائمة على سياحة الغوص ومشاهدة الدلافين، إذ يتسبب وصول كريات القار إلى شواطئ المنتجعات في تراجع فوري للإيرادات وإلغاء الحجوزات الفندقية، وهي خسائر استثمارية غير مباشرة تفوق، بملايين الريالات، فاتورة التنظيف السطحي.
وفي ذات السياق، تبرز كلفة الأمن المائي عاملًا حاسمًا، حيث تضطر محطات تحلية المياه العملاقة على طول الساحل إلى الإغلاق الاحترازي الفوري عند رصد أي بقعة زيتية مقتربة؛ لحماية الفلاتر وأغشية التناضح العكسي الحساسة من التلف التام. وتُقدر خسائر التوقف التشغيلي وتأمين إمدادات مياه بديلة بما بين 20000 و50000 ريال عُماني يوميًا للمحطة الواحدة.
وأمام هذه الأرقام والحقائق الصادمة، التي كلفت ميزانية سلطنة عُمان، عبر هيئة البيئة العُمانية والجهات البلدية، ملايين الريالات طوال العقد الماضي، كفواتير مباشرة لعمليات التطهير ومكافحة التلوث وشراء المشتتات، يبرز حق عُمان السيادي والقانوني الكامل في السعي نحو تحقيق العدالة البيئية والمطالبة بالتعويضات بموجب اتفاقيات المسؤولية المدنية (Civil Liability Convention)، وصناديق التعويض العالمية (International Oil Pollution Compensation Funds)، ضد أي سفينة يثبت تورطها.
ومع الأخذ في الاعتبار أن الطبيعة الدولية لمضيق هرمز، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (United Nations Convention on the Law of the Sea)، تكفلان حق المرور العابر المجاني، وتمنعان فرض ضرائب عبور إجبارية على السفن، فإن المقاربة العُمانية الحالية تتجه، بحكمة، نحو حلول ذكية ومتوازنة، تتركز في تفعيل التتبع الجنائي عبر الأقمار الصناعية لضبط المخالفين، والتوجه نحو صياغة أطر دولية تتيح فرض رسوم مقابل خدمات بيئية وملاحية تعاقدية متطورة، مثل توفير مراكز استجابة سريعة للتطهير والإرشاد الفني المتطور؛ لضمان أن تساهم ناقلات النفط والشركات العالمية المستفيدة من هذا الممر في تكلفة حماية وتطهير البحار التي تعبرها، بدلًا من ترك البيئة والمجتمعات الساحلية العُمانية وحدها تدفع ضريبة أمن الطاقة العالمي.
