البنت قُرة عين أبيها

سعيد بن سالم البادي

حينما بدأت في الكتابة في هذا المقال، احترت: من أين أبدأ؟ فكل البدايات لا نهاية لها فيما يتعلق بموضوع هذا المقال. ولكن اخترت أن أبدأ بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، إذ يقول: "البنت أحنى على أبيها".

وقلَّما نجد أن البنت تعق والديها؛ فهي اليد الحانية، والقلب العطوف، والروح الدافئة لوالديها. تمضي عمرها في خدمتهما، وتفني حياتها لأجل رضاهما، وتقضي وقتها لأنسهما وملاطفتهما. ففي صغرها تلمُّ أبويها بالمودة والمحبة والانسجام، وفي كبرها تعيش بينهما كعمود يتوسط البيت ويحميه من أن يقع، أو كالقنديل الذي يظل يضيء البيت طيلة وجودها فيه، فلا يولجه الظلام، ولو أدلهمت كل الأرض من حوله بسواد الليل وحلكة الظلام.

ويقول أحد العارفين: "البيت الذي لا توجد فيه بنت ينقصه النور". فالبنت حبيبة بلا غيرة، وصديقة بلا شبهة، ورفيقة عمر مضمونة، وحياة طويلة مع أبيها، قلبه بحبها مسكون، فهي مودة ورحمة قذفها الله في قلب الأب وقلب البنت. فالبنت سبب للرزق رغم ضعفها، وهي نور يتلألأ في البيت، فإذا أقبل الأب من سفر أو من عمل، وهو يعاني من التعب والإرهاق، فاستقبلته البنت بابتسامة، نسي كل ما دخل به البيت من تعب ونصب وإرهاق.

فالبنات جعلهن الله سبحانه وتعالى رحمةً ونورًا وضياءً لكل بيت، والبنت قرة عين أبيها وروح فؤاده.

ومن برهن بوالديهن، سُئلت فتاة: لماذا ترتدين الخمار؟ فقالت: "خوفًا أن يقف أبي أمام الله ويسأله عن ضياع رعيته، فسحقًا لأناقة تورث الضياع".

وقد جعل الله تعالى البنات سببًا لدخول الجنة، ووقايةً من النار، ومفتاحًا لمرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، فهن حجاب من النار. فمن رُزق البنات وأحسن تربيتهن، كُنَّ سببًا له لدخول الجنة، ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومن لا يحب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأحسنوا تربية البنات، فإنهن جنان في الدنيا، وجنة في الآخرة. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على حسن تربيتهن والإحسان إليهن، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَن عال جاريتين (ابنتين) حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو"، وفي رواية أخرى للترمذي: "دخلتُ أنا وهو الجنة كهاتين"، وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته (ماله وقدرته)، كن له حجابًا من النار يوم القيامة"، والستر من النار بالرحمة والإحسان.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له سترًا من النار".

ومن الإحسان إليهن تربيتهن على الأخلاق الحميدة، والقيم الفاضلة، والستر، والعفاف، وتوجيههن إلى السلوك الحسن، والتخلق بأخلاق الإسلام وتعاليمه، وتفقيههن بما شرع الله لهن من واجبات وحقوق، ورفع الظلم والإساءة عنهن بلا شدة ولا تعنيف، ولكن بالرفق واللين، وما يناسب قلوبهن الرقيقة، وما خلقهن الله عليه من الرقة والعطف والشفقة والمشاعر الإنسانية النبيلة.

فرفقًا بالبنات، فإنهن نور الحياة، وسند المستقبل، ورصيد العمر، وحياة القلوب، وسقيا الروح إذا ظمئت من لهيب معترك الحياة، والإحسان إليهن عنوان الرجولة والشهامة، وتاج المروءة في الحياة، وثواب ورفعة في جنان الآخرة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z