الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان

 

د. علي بن خصيف البلوشي

يشهد العالم اليوم ثورة تقنية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح جزءًا من مختلف جوانب الحياة اليومية، ودخل في مجالات متعددة مثل الطب والتعليم والطاقة والاقتصاد والصناعة والتسويق والنقل. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تقنية مساعدة، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في اتخاذ القرارات وإدارة المؤسسات وتقديم الخدمات، الأمر الذي يفرض تحديات قانونية وحقوقية تتعلق بمدى تأثير هذه التقنيات على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

ويحمل الذكاء الاصطناعي فرصًا كبيرة للتقدم وتحسين جودة الحياة، فهو يسهم في سرعة معالجة المعلومات، ورفع كفاءة الخدمات، وتطوير الحلول في العديد من المجالات، إلا أن هذه الإيجابيات تقابلها مخاطر قانونية، خاصة فيما يتعلق بحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، والفئات الأكثر تأثرًا بالتقنية، والمحافظة على حق الإنسان في معرفة كيفية اتخاذ القرارات التي تؤثر عليه.

وتعد الخصوصية من أبرز الحقوق التي تواجه هذه التحديات في ظل انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد هذه الأنظمة على جمع وتحليل كميات كبيرة من البيانات الشخصية، وقد يؤدي سوء استخدامها إلى المساس بحرمة الحياة الخاصة للأفراد، ومن هنا تبرز ضرورة وجود قواعد قانونية تنظم التعامل مع البيانات وتحمي حقوق الأفراد من الاستغلال غير المشروع لمعلوماتهم أو حرياتهم.

وفي سلطنة عُمان، حظي موضوع حماية البيانات الشخصية باهتمام تشريعي من خلال قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2022)، الذي وضع إطارًا قانونيًا لتنظيم معالجة البيانات الشخصية، واشترط حماية حقوق أصحاب البيانات، وعدم استخدامها إلا وفق الضوابط القانونية، بما يعزز حماية الخصوصية في البيئة الرقمية.

كما يتصل موضوع الذكاء الاصطناعي بحقوق الإنسان من خلال المبادئ التي أكد عليها النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021)، الذي أرسى مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية، ومن بينها احترام كرامة الإنسان وحماية الحقوق والحريات العامة، وهو ما يشكل ضابطًا قانونيًا لمواجهة أي استخدام تقني قد يؤدي إلى المساس بهذه الحقوق.

ويرتبط الذكاء الاصطناعي كذلك بالمنظومة الجزائية من خلال الحاجة إلى حماية الأنظمة الرقمية ومواجهة الجرائم الناتجة عن إساءة استخدام التقنيات الحديثة، وهو ما أدركه المشرّع العُماني من خلال تحديث الإطار التشريعي المنظم للفضاء الرقمي، حيث صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بالمرسوم السلطاني رقم (61/2026) ليحل محل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (12/2011)، ويأتي هذا التطور التشريعي استجابةً للتغيرات المتسارعة في البيئة الرقمية، وما أفرزته من تحديات جديدة تتعلق بحماية البيانات، وأمن المعلومات، ومواجهة الأفعال غير المشروعة المرتبطة بالتقنيات الحديثة.

وفي هذا السياق، تأتي التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- خلال اجتماعات مجلس الوزراء بشأن دراسة المتغيرات السلوكية المرتبطة بالتطورات التقنية الحديثة على الأسرة والمجتمع، ووضع الآليات التنظيمية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما بالنسبة إلى الأطفال، بما يعكس أهمية تحقيق التوازن بين الاستفادة من الثورة الرقمية وحماية حقوق الإنسان. فالتحدي لم يعد مقتصرًا على حماية الخصوصية فقط، بل امتد ليشمل حماية الفئات الأكثر تأثرًا بالتقنيات الحديثة من مخاطر المحتوى الرقمي والتأثيرات السلوكية، وهو ما يؤكد أن الفضاء الرقمي يفرض تحديات جديدة أمام الخصوصية وحقوق الإنسان في العصر الرقمي.

خلاصة القول.. يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة للتقدم والتطور، لكنه في الوقت ذاته يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأنظمة القانونية على مواكبة التحولات الحديثة، فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه الثورة التقنية لا يكمن فقط في قدرتها على الإنتاج والابتكار، وإنما في مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين التطور التقني وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z