◄ توقعات بنمو سوق الذكاء الاصطناعي الوكيل إلى 139 مليار بحلول 2034
◄ قطاعات الطاقة والصناعة الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي الوكيل لتحسين كفاءة الإنتاج
الرؤية- سارة العبرية
أكد ناصر بن محمد تبوك خبير الذكاء الاصطناعي، أن العالم يشهد اليوم اهتمامًا مُتزايدًا بما يُعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، لافتاً إلى أهمية فهم الفرق الجوهري بينه وبين الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، إذ إنه خلال السنوات المُقبلة سيشهد الجميع وكلاء ذكاء اصطناعي يعتمدون على نماذج توليدية متقدمة كمحرك أساسي للتفكير والتخطيط، في حين يتولى الوكيل تنفيذ الخطوات والتفاعل مع الأنظمة الخارجية.
وأوضح -في حوار خاص لـ"الرؤية"- أن التكامل سيدعم تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في بناء اقتصاد معرفي رقمي، وسيُوفر أدوات قوية للقطاعين العام والخاص، شريطة تبني نهج مسؤول يضع الإنسان في قلب العملية، ويُحافظ على القيم العُمانية الأصيلة المتمثلة في الشفافية، والمسؤولية، والتنمية المُستدامة.

الفرق الجوهري
وبيّن تبوك أنَّ الذكاء الاصطناعي التوليدي يركز على إنتاج المحتوى، أما الذكاء الاصطناعي الوكيل فيركز على تنفيذ المهام وتحقيق الأهداف؛ فالنظام التوليدي قد يكتب رسالة أو يشرح فكرة، بينما النظام الوكيل يمكنه التخطيط، والبحث، واستخدام الأدوات، وتنفيذ خطوات، ومراجعة النتائج، ثم تعديل مساره حتى يصل إلى الهدف المطلوب.
وقال: "من هنا يمكننا فهم الفرق الجوهري بينهما؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي هو ذكاء يصنع محتوى، أما الذكاء الاصطناعي الوكيل فهو ذكاء يستخدم هذا المحتوى والقدرات اللغوية والتخطيطية ليعمل كوكيل يساعد الإنسان في إنجاز المهام، والذكاء الاصطناعي الوكيل لن يحل محل الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ بل إن التقنيتين ستتكاملان بصورة عميقة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي سيظل العقل المفكر والمبدع الذي يولد الأفكار والمحتوى والتحليلات، بينما سيكون الذكاء الاصطناعي الوكيل بمثابة الجسم التنفيذي الذي يحول هذه المخرجات إلى أفعال وإنجازات عملية".
نمو متسارع
وأشار ناصر تبوك إلى أنَّ السوق العالمي يعكس هذا التحول بوضوح؛ إذ يُتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي الوكيل من نحو 9 مليارات دولار في عام 2026 إلى ما بين 50 و139 مليار دولار بحلول الفترة 2030-2034، بمعدلات نمو سنوية تتجاوز 40%، وهو ما يدل على انتقال العالم من مرحلة "المساعد الذكي" إلى مرحلة "الشريك التنفيذي".
وأوضح أنَّ تبني الذكاء الاصطناعي الوكيل يتطلب أيضًا بنية تقنية قوية تشمل الحوسبة السحابية، وأنظمة التكامل، وواجهات برمجة التطبيقات، وأنظمة مراقبة الأداء، وسجلات واضحة لكل ما يقوم به الوكيل، إلى جانب حوكمة مؤسسية تحدد الصلاحيات، وآليات التعامل مع الأخطاء، والمسؤوليات، وحماية البيانات.
وأكد أن بناء الكفاءات الوطنية يمثل شرطًا رئيسيًا للنجاح، مشيرًا إلى أن مبادرة "مكين" دربت أكثر من 11 ألف عُماني عبر 139 برنامجًا خلال خمس سنوات، بنسبة توظيف بلغت 50% في مسار المعسكرات التقنية.
وأضاف أن استثمارات قطاع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة تجاوزت 79 مليون ريال عُماني خلال الفترة 2021-2025، وشملت مشاريع مثل النموذج اللغوي الوطني، والبوابة الوطنية للبيانات المفتوحة، واستوديو الذكاء الاصطناعي، وتطوير منطقة خاصة للشركات الناشئة، إضافة إلى توسع المنظومة لتضم نحو 22 شركة ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن أفضل أسلوب لتبني الذكاء الاصطناعي الوكيل يتمثل في البدء بمشاريع تجريبية محدودة، مثل تحليل شكاوى المراجعين، أو تلخيص التقارير، أو البحث في اللوائح الداخلية، أو مساعدة الموظفين في إعداد المراسلات، ثم قياس النتائج والتوسع تدريجيًا.
وعن كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي الوكيل في المؤسسات، أوضح تبوك أن استعداد المؤسسات في سلطنة عُمان يتطلب خمسة عناصر رئيسية هي: استراتيجية واضحة، وبيانات سيادية ومنظمة، وبنية تقنية آمنة، وحوكمة مؤسسية، وكفاءات وطنية قادرة على التطوير والتشغيل، مُبينًا أن الذكاء الاصطناعي الوكيل يمكن أن يتحول إلى أداة وطنية لرفع كفاءة الخدمات وتحسين الإنتاجية ودعم الاقتصاد القائم على المعرفة إذا ما جرى توظيفه بما ينسجم مع "رؤية عُمان 2040".
وأضاف: "الذكاء الاصطناعي التوليدي، عندما ظهر بقوة أمام الجمهور في عام 2022 مع ChatGPT، كان يُنظر إليه في البداية على أنه نظام محادثة ذكي؛ يطرح المستخدم سؤالًا فيجيب عنه. وقد انبهر الناس آنذاك لأنهم شعروا للمرة الأولى أنهم يتحاورون مع آلة قادرة على النقاش، والشرح، والكتابة، وتوليد الأفكار بطريقة قريبة من أسلوب الإنسان. لكن مع الاستخدام الواسع لهذه الأنظمة ظهرت مشكلة ما يُعرف بالهلوسة؛ أي أن النموذج قد يقدم أحيانًا معلومات غير دقيقة أو غير صحيحة، لكنه يعرضها بثقة. لذلك بدأت مرحلة جديدة من التطوير ركزت على تحسين قدرة النموذج على التفكير والتحقق قبل الإجابة، أو ما يُعرف اليوم بنماذج التفكير والاستدلال (Reasoning Models). في هذه المرحلة لم يعد الهدف أن يجيب الذكاء الاصطناعي بسرعة فقط؛ بل أن يحلل السؤال، ويفكر في أكثر من احتمال، ويختار الإجابة الأنسب قبل تقديمها للمستخدم، مما ساهم في تقليل الأخطاء وتحسين جودة الإجابات، مع بقائه نظامًا يعتمد على المستخدم وينتظر السؤال أو الأمر ثم يرد عليه".
وأشار إلى أن المرحلة التالية طرحت سؤالًا مهمًا: لماذا يبقى الذكاء الاصطناعي مجرد نظام يجيب بالكلام؟ ولماذا لا يستطيع تنفيذ بعض المهام نيابة عن المستخدم، مثل كتابة بريد إلكتروني، أو تحليل مستند، أو تلخيص تقرير، أو البحث في ملفات، أو إعداد خطة عمل، أو استخدام أدوات خارجية؟ ومن هنا بدأت فكرة الذكاء الاصطناعي الوكيل، الذي لا يكتفي بإنتاج المحتوى، بل يستطيع أن يستقبل هدفًا من المستخدم، ثم يقسمه إلى خطوات، ويستخدم الأدوات المناسبة، وينفذ الإجراءات، ويراقب النتائج، ويعدل خطته عند الحاجة.
وبيّن أن التطور انتقل من مجرد "المحادثة" إلى "تنفيذ المهام"، ثم إلى الأتمتة، بحيث أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على متابعة التقارير، ومراقبة التغييرات، وتنظيم الملفات، وإعداد الملخصات الدورية، وتنفيذ سلسلة من الخطوات دون الحاجة إلى تدخل المستخدم في كل مرحلة.
وأكد خبير الذكاء الاصطناعي أن استقلالية الذكاء الاصطناعي الوكيل ليست استقلالية كاملة، وإنما تعمل ضمن إطار يحدده الإنسان، يشمل الأهداف، والصلاحيات، والأدوات، والوقت، والبيانات المسموح بالوصول إليها، إضافة إلى القرارات التي تتطلب موافقة بشرية.
وقال إن الذكاء الاصطناعي الوكيل لا يلغي الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ بل يبني فوقه؛ فالتوليدي يوفر القدرة على الفهم والإنتاج، بينما يضيف الوكيل قدرات التخطيط، واستخدام الأدوات، وتنفيذ المهام، ومتابعة الهدف حتى إنجازه. وأضاف أنَّ معرفتنا بقدرات وتقنيات الذكاء الاصطناعي الوكيل سيكون لها التأثير الأكبر والأوسع؛ إذ إن الذكاء الاصطناعي التوليدي غيّر طريقة إنتاج المحتوى والأفكار، بينما سيغير الذكاء الاصطناعي الوكيل طريقة إنجاز العمل نفسه.
القطاعات المستفيدة
وأشار تبوك إلى أن القطاعات الأكثر استفادة في سلطنة عُمان ستكون الطاقة والصناعة من خلال الصيانة التنبؤية وتقنيات التوأمة الرقمية (Digital Twins)، وتحسين كفاءة الإنتاج في قطاعات النفط والغاز والطاقة المتجددة، إضافة إلى اللوجستيات والموانئ عبر إدارة سلاسل التوريد في موانئ صلالة والدقم وصحار، وتتبع الشحنات وتحسين العمليات.
وأضاف أن السياحة والضيافة ستستفيد من وكلاء يديرون الحجوزات، وينظمون الجداول السياحية، ويقدمون خدمات متعددة اللغات وخرائط وخدمات سياحية ذكية، فيما سيشهد القطاع الصحي تطورًا في إدارة المواعيد، ومتابعة المرضى، ودعم القرارات الإدارية، وتقديم خدمات المساعد الطبي الذكي، خاصة في المناطق البعيدة.
كما لفت إلى استفادة الخدمات الحكومية من تسريع إنجاز المعاملات واتخاذ قرارات مبنية على البيانات، والتعليم من خلال وكلاء تعليميين يتابعون تقدم الطلبة ويقترحون مسارات تعلم مخصصة تتناسب مع قدراتهم الفردية.
وأكد أن هذا التحول سيكون أكبر من التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي التوليدي، لأن الوكيل لا يكتفي بالمساعدة؛ بل ينجز المهام، مشيرًا إلى أن تقارير عالمية تتوقع أن تحتوي 40% من تطبيقات المؤسسات على وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين بحلول نهاية عام 2026، بما يمثل قفزة كبيرة في الإنتاجية والكفاءة التشغيلية.
وذكر أن استعداد المؤسسات العُمانية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي الوكيل يتطلب النظر إليه باعتباره جزءًا من التحول الوطني نحو اقتصاد قائم على المعرفة، بما يتوافق مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" وليس مجرد أداة تقنية.
وفيما يتعلق بالتحديات، أوضح تبوك أن الخطر الأكبر يتمثل في امتلاك الوكيل قدرة على التصرف، مما يجعل أي خطأ أو اختراق ذا تأثير متسلسل أكبر من مجرد خطأ في محتوى مولد، وهو ما يجعل المراقبة البشرية ضرورة أساسية وعدم الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن الوكلاء الذين يمتلكون صلاحيات للوصول إلى أنظمة متعددة قد يصبحون أهدافًا جذابة للهجمات السيبرانية، مثل حقن الأوامر أو استغلال الثغرات في الأدوات المستخدمة، كما أن تعاملهم مع بيانات حساسة يتطلب التزامًا صارمًا بقانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2022.
وأكد أن الحل يكمن في تصميم أنظمة إشراف ذكي (Human-in-the-Loop)، مع سجلات تدقيق واضحة، وآليات لتفسير القرارات (Explainability)، وحدود دقيقة للصلاحيات، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان تعمل عبر اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي ووزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات على وضع الأطر التنظيمية المناسبة.
وأشار إلى أن سلطنة عُمان وضعت أساسًا وطنيًا لهذا التحول من خلال توجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- بإعداد برنامج وطني لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتوطينها، وهو ما أثمر عن إطلاق البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة.
وأكد أنَّ البداية لا تكون بشراء أنظمة جاهزة، وإنما بوضع استراتيجية واضحة داخل المؤسسة تحدد المجالات التي يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي الوكيل، مثل معالجة الطلبات المتكررة، وخدمة العملاء، وتحليل المستندات، وإعداد التقارير، ومتابعة الشكاوى، ودعم اتخاذ القرار، وأتمتة الإجراءات الداخلية.
وأضاف أن البيانات تمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح هذه الأنظمة؛ إذ يجب أن تكون منظمة، ودقيقة، وآمنة، مع أهمية الحفاظ على مفهوم البيانات السيادية، بما يضمن حماية الخصوصية والمصلحة الوطنية.
وأشار إلى أنَّ إطلاق مشروع النموذج اللغوي العُماني "معين AI" يمثل خطوة مُهمة في هذا الاتجاه، بوصفه أول نموذج لغوي وطني متقدم جرى تطويره على بيانات محلية لدعم السيادة الرقمية وتمكين اللغة العربية ومساندة الموظف الحكومي مع الحفاظ على أمن البيانات.
