إنهم يقتلعون الأشجار

 

علي بن بدر البوسعيدي

خلال الأيام الماضية، مررتُ بأكثر من شوارع في مدينتنا الجميلة مسقط، ولفت انتباهي أمر غامض لم أجد له أي تفسير في نشرات الأخبار ولا في الصحف المطبوعة، لقد تفاجأت بقيام بلدية مسقط باقتلاع عدد من الأشجار في مواقع متفرقة، دون توضيح لأسباب هذا القطع، ما أثار في نفسي وفي نفوس عدد كبير من المواطنين تساؤلات واسعة.

من المؤسف أن يحدث ذلك ونحن في عصر تنتقل فيه الصور والمقاطع المصورة خلال ثوانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغياب المعلومة الرسمية يفتح الباب أمام الاجتهادات والتفسيرات غير الدقيقة، وربما الشائعات أيضًا؛ فكل شخص يبدأ في بناء روايته الخاصة، بينما قد تكون الحقيقة مختلفة تمامًا! من يدري؟!

ولعل الأشجار التي جرى اقتلاعها كانت مريضة، أو تشكل خطرًا على السلامة العامة، أو انتهى عمرها الافتراضي، أو أن البلدية تستعد لاستبدالها بأشجار أكثر ملاءمة للبيئة المحلية، أو ضمن مشروع تطوير عمراني أشمل. وكل هذه أسباب قد تكون وجيهة ومقبولة إذا تم توضيحها للرأي العام.

المشكلة ليست في اتخاذ القرار، وإنما في غياب التواصل حوله. فحين تشرح الجهة المختصة أسباب ما تقوم به، فإنها تعزز ثقة المجتمع، وتغلق الباب أمام الشائعات، وتجعل الجميع شركاء في فهم ما يجري. فمن الغريب أن البعض فسّر ذلك بمسألة شُح المياه وندرتها، وأن البلدية اقتلعت الأشجار للحفاظ على المياه الجوفية! والبعض خمّن أن هناك من يريد أن يُتاجر في الأشجار، من خلال بيعها خشبًا! والتأويلات والتفسيرات لن تنتهي طالما الجهة المعنية بالتفسير التزمت الصمت.

لقد عُرفت مسقط منذ عقود بأنها واحدة من أجمل المدن العربية من حيث التخطيط العمراني، واتساع المساحات الخضراء، وتنوع الأشجار التي منحت شوارعها وحدائقها هوية بصرية مميزة. ولم تكن هذه المساحات مجرد عنصر جمالي، بل أصبحت جزءًا من شخصية المدينة وذاكرتها.

واليوم، لم يعد الغطاء النباتي ترفًا جماليًا، بل أصبح أحد أهم عناصر التنمية المستدامة. فهو يسهم في تلطيف درجات الحرارة، وتحسين جودة الهواء، والحد من الانبعاثات، وتعزيز التنوع الحيوي، ورفع جودة الحياة، إلى جانب دوره في جعل المدن أكثر إنسانية وراحة لسكانها وزوارها. ولهذا فإن أي تغيير يمس الأشجار أو المساحات الخضراء يلفت انتباه الناس بشكل طبيعي، لأنهم ينظرون إليها باعتبارها ثروة عامة تستحق المحافظة عليها.

ومن هنا، فإن نشر توضيح مختصر من بلدية مسقط عند تنفيذ مثل هذه الأعمال لن يكلف الكثير، لكنه سيحقق أثرًا كبيرًا. فبيان بسيط يوضح أسباب إزالة الأشجار، وعددها، وما إذا كانت ستستبدل بأشجار جديدة، والجدول الزمني لذلك، كفيل بطمأنة المجتمع وتعزيز ثقته في الإجراءات المتخذة؛ فالشفافية ليست مجرد وسيلة للرد على التساؤلات، وإنما هي جزء من الإدارة الحديثة، وأحد أهم أدوات بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع.

لا أعتقد أن أحدًا سيتخلى عن الأمل في أن تظل مسقط وفية لصورتها التي عرفها الجميع؛ مدينة خضراء وجميلة ومتوازنة، تُحافظ على بيئتها كما تواصل تطويرها؛ لأن التنمية الحقيقية لا تقوم على المباني والطرق وحدها، وإنما تمتد أيضًا إلى كل شجرة تمنح المدينة ظلًا وجمالًا وحياةً.

الأكثر قراءة

z