محمد بن رامس الرواس
في ظل المشهد الإقليمي والدولي المتغير، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر للنفط والغاز، بل تحول إلى منصة لاختبار قدرة الدبلوماسية على نزع فتيل الأزمات في أكثر مناطق العالم حساسية.
وفي خضم حالة التجاذب الدولي والضغوط والتوترات التي تحيط بسلامة الملاحة بمضيق هرمز، تبرز سلطنة عُمان كنموذج للدولة التي تمتلك "أدوات التأثير الهادئ" من خلال فتح الممر الجنوبي لمضيق هرمز أمام الحركة البحرية، حيث إن قوة السياسة العُمانية تكمن في ثبات الموقف وعمق الرؤية مع الجميع، ففي الوقت الذي تندفع فيه أطراف عديدة نحو التصعيد، اختارت السلطنة نهج "الصبر الاستراتيجي" الذي يرفض الانجرار إلى ردود الفعل الآنية، مراهنةً على أن الحوار، مهما بدا بطيئًا ومكلفًا، إلا أنه هو المسار الوحيد المستدام لتأمين المرور الآمن بمضيق هرمز.
إن التفاهمات التي تشهدها المنطقة مؤخرًا، التي تهدف إلى خفض التوترات وتغليب لغة المصالح المشتركة على لغة الصدام، وجدت في الإرث الدبلوماسي العُماني تربة خصبة للنمو. لقد أثبتت السلطنة أن القدرة على بناء جسور الصلح والتفاهم تتطلب مجموعة خطوات، منها: الحياد الإيجابي، الذي هو مبادرة نشطة لتقريب وجهات النظر، والحكمة في إدارة الملفات، والتعامل مع أمن المضيق كمسؤولية جماعية تتجاوز الخلافات السياسية اللحظية، وتضع الاقتصاد العالمي فوق أي اعتبار، وبناء الثقة، والعمل كطرف مقبول لدى الجميع، مما يجعل السلطنة دائمًا المظلة الأكثر أمانًا للحوار في أوقات الأزمات.
اليوم، ومع تزايد الإدراك الدولي بأن مضيق هرمز هو عصب النفط والغاز في العالم، الذي لا يتحمل مزيدًا من المخاطر، بدأت التفاهمات تتجه نحو هيكلة أمن الملاحة بعيدًا عن الاستقطابات الحادة، وهنا تتقاطع الرؤية العُمانية مع الرؤية الدولية؛ فالدبلوماسية العُمانية المتزنة قدمت للعالم نموذجًا يُحتذى، مفاده أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُصنع بالتفاهم المتبادل.
وهذا التوجه يعيد تعريف دور المضيق؛ ليتحول من نقطة اختناق إلى ساحة للتعاون الدولي، وبفضل هذه الحكمة العُمانية، تظل السلطنة صمام أمانٍ حقيقيًا، ليس فقط لجيرانها، بل للعالم أجمع، الذي يترقب بذكاء أي إشارة انفراج قادمة من هذه المياه الدافئة.
ختامًا.. إن استمرارية تدفق النفط والغاز والتجارة العالمية عبر مضيق هرمز في ظل هذا الوضع المعقد هي شهادة نجاح للدبلوماسية العُمانية التي تُقدم العقل على العاطفة، والمستقبل على اللحظة، وتبقى السلطنة، بفضل نهجها الرصين وتوجيهات قائدها الحكيم جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- حارسًا أمينًا للمكان وللسلام الإقليمي والدولي، مؤكدةً أن الحكمة هي العملة الأصعب والأكثر قيمة في صياغة السلام واستقرار الأمن الدولي.
