د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
شهدت مهنة المحاماة في سلطنة عُمان تطورًا متناميًا، واكبته تشريعات حديثة عمدت إلى تنظيم هذه المهنة بما يتماشى مع حداثة المجتمع، ويتوافق مع الاستراتيجية الوطنية المتمثلة في رؤية "عُمان 2040".
وبالنظر إلى تعدد النزاعات القضائية وتنوع الاختصاص القانوني؛ فقد أضحى المحامي غير قادر على الإحاطة بكافة فروع القانون؛ حيث إن التخصص الأكاديمي الدقيق للمحامي يستوجب أن يدور في فلك الاختصاص المهني، وذلك في إطار يجمع بين هذين القطبين. ولمزيد من التفصيل في هذا الشأن، نستعرض العناصر الآتية:
أولًا: التخصص الأكاديمي:
يُقصد بالتخصص الأكاديمي للمحامي المؤهلُ العلمي الحاصل عليه من يمارس مهنة المحاماة، ويتعدى هذا التخصص مرحلة البكالوريوس التي يدرس بها كافة فروع القانون، كتأطير أولي لمن يمارس هذه المهنة، ليحصل على مؤهل علمي متقدم في مجال القانون، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: القانون الجنائي، والقانون الإداري، والقانون المدني، والقانون التجاري، ... إلخ. ويحصل المحامي على هذا التأهيل العلمي عن طريق الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراة)، وكذا البرامج المهنية التخصصية. ويا حبذا لو عمد المحامي إلى تطوير ذاته عبر كتابة البحوث والدراسات العلمية المعمقة، والمشاركة في المؤتمرات والندوات المتخصصة.
ولا جرم أن التخصص الأكاديمي للمحامي سوف يسهم في تعزيز العلم القانوني العميق لديه، ويزيد من رصيده المعرفي، مما يمكنه من تحليل وقائع الدعاوى التي ينظرها، ويفعل لديه ملكة الاستنباط، ويمكنه من توليد الأفكار القانونية التي تتسم بالابتكار في إيجاد الحلول، وكشف الغموض، وتجويد العمل القضائي.
ثانيًا: الاختصاص المهني:
لا مشاحة في القول إنَّ الاختصاص المهني يُراد به المجال العملي الذي يمارسه مكتب المحاماة أو المحامي بصورة مستمرة، لتقديم خدمات قانونية تتسم بالإجادة الفنية والتنظيم المؤسسي لهذه المهنة.
وتتعدد وتتنوَّع المجالات القانونية المهنية بحسب النزاعات التي تنظرها، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: المنازعات المدنية، والمنازعات التجارية والاستثمارية، والمنازعات العمالية، والمنازعات الإدارية، والقضايا الجنائية... إلخ.
وبطبيعة الحال يعتمد الاختصاص المهني على الممارسة العملية، التي يمارسها مكتب المحاماة أو المحامي، فنجد في غير قليل من الحالات وجود اختصاص مهني لنوعية معينة من الدعاوى القضائية لأحد المكاتب، لا يتوفر لدى الكثير من المكاتب الأخرى، وكذا تفرد محامٍ معين بالترافع عن نوعية معينة من الدعاوى.
ثالثًا: الرابطة العلائقية بين التخصص الأكاديمي والاختصاص المهني:
بمطالعة البندين السابقين -التخصص الأكاديمي والاختصاص المهني- يلاحظ وجود علاقة جامعة بينهما تتمثل في توفير التخصص الأكاديمي الإطار النظري في دراسة العلم القانوني والمعارف المتصلة به، من خلال التقعيد لأسس وقواعد المهنة المرتبطة به. في حين يوفر الاختصاص المهني الإطار العملي التطبيقي من خلال التراكم الكمي والكيفي للخبرات العملية.
وتترتب آثار العلاقة بين التخصص الأكاديمي والاختصاص المهني من خلال تجويد العمل وبروز نتائجه، فكلما مارس المحامي المتخصص في الإطار النظري العلمي منازعات في ذات تخصصه، كان ذلك أدعى لنجاح تلك النزاعات، وعلى خلاف ذلك يكون هناك نوع من الارتباك والخلل في إنجاز الأعمال في حالة الاختلاف بين هذين العنصرين.
وصفوة القول، نقترح على مكاتب المحاماة في سلطنة عُمان إعادة هيكلة نظامها الداخلي من خلال ربط التخصص الأكاديمي للمحامين لديها بالاختصاص المهني في الممارسة العملية للنزاعات، بحيث يكون لدى مكتب المحاماة عدة وحدات داخلية تتناسب مع نوعية المحاكم القضائية. فكلما تمكن المكتب من الجمع بين التأهيل العلمي العميق والخبرة المهنية المتخصصة، انعكس ذلك إيجابًا على خدماته القانونية التي يقدمها، وازدادت ثقة العملاء به، وحقق سرعة في إنجاز معاملاته، وتولدت لديه القدرة على ترسيخ البنية المؤسساتية لهذه المهنة، والمكنة على إجادة الاختصاص المهني.
ويا حبذا لو استطاعت هذه المكاتب -مكاتب المحاماة- تعيين مستشار تشريعي لديها، ليكون بمثابة المرحلة النهائية لمراجعة المذكرات وصحائف الدعاوى قبل رفعها إلى الجهات القضائية، كون المستشار التشريعي يمتلك -ما لا يتوفر لدى غيره من القانونيين- من الأدوات والوسائل الفنية التي تمكنه من القيام بممارسة فن الصياغة القانونية، مما يضفي على أعمال المكتب بعدًا فنيًا مغايرًا لوضعها الحالي.
** رئيس مركز البحوث والدراسات الجامعية
دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
