ماجد بن علي الهادي
"أفضل طريقة للتفكير خارج الصندوق هي ألا تعرف أين يقع الصندوق من الأساس".
نستهلك إمكانياتنا في دائرة المحك الزمني، ونقضي عمرنا ونحن ندور في قطر محصور بين الواقع واللاواقع. في البداية نشعر بالكم الفائض من الطاقة والحماس، ثم شيئًا فشيئًا تتقلص الدوافع وتتهاوى الأمنيات. تتهاوى وسط تناقضات الحياة التي تمثلها وتجسدها النوايا الإنسانية، يكبلها التقلص إلى درجة الانكماش، ويطوقها السراب إلى درجة التلاشي، فيغدو الواقع كبقعة ارتسمت على شكل فقاعات هوائية تعبث بها الريح.
الاستهلاك المعنوي يستهلكنا كما نستهلك نحن أيضًا الزمن؛ فتصير الخطوط المتوازية متقاطعة، ونقطة الصفر تتحول إلى عدد لا محدود، واللانهائي يبتلع النهائي بحرفنة رياضية غريبة. كل تلك التواترات تصطف في طابور يتشكل في نصف دائرة من الزمن. استهلاك زمني، واستهلاك نفسي، واستهلاك جسدي. كل تلك الاستهلاكات تتغير "معنويًا"، وتبقى ثابتة عمليًا. تبقى ثابتة لأنها تدور في محور واحد لا ينتهي حتى يبدأ، ولا يبدأ حتى ينتهي. وفي كل الأحوال هو انعكاس حقيقي لما يدور في حياة الإنسان. البعض يميل إلى تفسيره بالروتين القاتل الممل، والبعض الآخر يرسمه في منتصف الدائرة التي أشرت إليها. مهما اختلفت المسميات، يبقى المعنى واحدًا، والإحساس نفسه مهما تباينت تعابيره. قد تكون فرص التغيير محدودة أو غير موجودة (وفق نهج التفكير)، لكننا نبقى أمام أمواج التحديات في صراع مستمر مستميت.
يُقال لنا: اصنعوا الفرص، ويُقال لنا: غادروا الصندوق الذي حبستم فيه عقولكم. ما يقال حقيقة، وما يُرى واقع، لكن هل نهج تفكيرنا سيقتنص ذلك المعنى والاستدلال؟ وهل ستكون المحفزات "مغرية" لدرجة أن الفكر ينتبه من غفلته النفسية؟
إذن، فالفرص، سواء أكانت متاحة أم مصطنعة، ستكون طوق النجاة، وإن تراءت عكس ذلك؛ لأن الجانب النفسي يميل إلى التصديق، وإن كان خيالًا مخترعًا، ويتعايش مع ذلك ويتكيف إلى أن يكون واقعيًا. من استسلم بمحض إرادته إلى أن يكون حبيس صندوقه العقلي، فإنه بذلك يزيد من الطين بلة؛ لأنه في الأساس واقع في محيط دائرة كئيبة، ويضيف إلى كآبة الوضع بأن يحبس عقله في صندوقه الشطرنجي المقفل؛ فتصبح حياته لجة في لجة، وتغدو تصرفاته وأفعاله محتكرة برائحة "العفن النفسي"، الذي نحاول جميعنا إخفاءها بعطر المرح والابتسامة.
بالتأكيد ستنفر منه النفوس، وستتبرأ منه العقول الحكيمة. أما هو، فقد يكون وعيه يدرك ذلك، وقد يكون واقعًا تحت ضغط الجهل، وفي الحالتين ستكون حالته الجسدية والنفسية مزرية. ما العلاقة بين استهلاكنا لإمكانياتنا في المحك الزمني وبين قوقعتنا الصندوقية؟ العلاقة هي: كلما كان الاستهلاك، أيًّا كان، نفسيًا أم جسديًا، في إطار زمني محدود، يترتب عليه هدر للطاقة (نفسية، جسدية) في جوانب ومكامن لا طائل منها ولا فائدة. وينتج عنه (مستقبلًا) تراكمات بعد التشبع والتصدع العصبي، وهذا الأخير هو بقعة التلاشي للنفس، وللروح، وللعقل.
البقعة التي تراها العيون بلون، وهي في الحقيقة بلون آخر، من جراء التراكمات والصدمات والمواقف العصيبة؛ كالهالة النفسية التي صنفها الباحثون بأنها شحنات كهرومغناطيسية؛ الشيئان قد يتناقضان في اندماجهما، وقد ينسجمان، لكنهما سيبقيان المعيار الصحيح لأي معادلة.
والواقع لا يناقض ذاته أبدًا، ولا يقبل الاندماج مع الخيال أو السراب؛ لذلك، إن أتيحت الفرصة للانطلاق الفكري والروحي والخروج من مأزق "البقعة"، فيجب استغلالها بذكاء وحكمة. ومسايرة ومواكبة التطورات لا يجب أن تُرفضا أو يُتجاهلا، بل يجب أن تُعاشا بفطنة، وتُستثمرا بذكاء، لتتحول دائرة الانكماش إلى جذور متفرعة ومتشعبة، تُحاكي الخلايا العصبية في الدماغ. قابلة للتغيير، قابلة للحذف، قابلة للتصحيح، قابلة للتنفيذ.
