ماذا لو توقف العالم فجأة!

 

 

 

آية السيابي

 

عقدتُ اتفاقًا مع أسرتي الصغيرة أن نخرج في نُزهة كأي أُمٍّ تتغذى سعاداتها برؤية أبنائها يتحلقون حول موائد شهية ومواضيع ممتعة، وما حدث يومها لم يكن متطفلًا على المشهد العام؛ فأبنائي من جيل زد وجيل الألفا، ما يعني أنهم بلُغة اليوم ينتمون إلى زُمرة المواليد الرقميين أو الجيل الرقمي الأصيل؛ ذلك أنهم وُلدوا ونشأوا في عصر الإنترنت السريع والهواتف الذكية وساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تغذيتهم الثقافية والفكرية.

على الرغم من أنني وبحسب المفاهيم التاريخية والدينية التي جاء ذكرها في مقدمة ابن خلدون، أنتمي معهم إلى نفس الجيل باعتبار أن عُمر الجيل في علم الاجتماع يعادل 40 سنة! وهو العمر الذي يصل فيه المرء إلى أَوجِ نضجه وعطائه. ولكن يبدو أن المدة الزمنية للجيل الاجتماعي اليوم تقلَّصت إلى النصف بحسب تصنيف علماء الاجتماع معتمدين على التأثيرات التكنولوجية والطفرة التقنية بدلًا من البيولوجية.

وهذا بالضبط ما خلق فجوةً معرفيةً وسلوكيةً هائلةً بين شخصين يبلغ الفارق الزمني في أعمارهم 15 سنة فقط؛ بالتالي أصبح فصل الجيل بشكل مستقل عمَّا سبقه ضرورةً واجبةً بسبب مسافات الوعي.

ولأعود إلى نزهتي مع أسرتي يومها، فقد ساءني ارتباطهم الوثيق بعالمهم في هواتفهم والمفردات المتداولة التي لا تنتمي إلى معاجم العرب ولا الأعاجم! وهي مفردات جرى تعريبها بحِدة أو عربية جرى تغريبها بصورة ينفر منها علماء اللغة. يومها شعرتُ بالاغتراب الحقيقي، وتمنيتُ لو لم نصل إلى مفهوم "العالم قرية واحدة". منها طرحت سؤالًا كان من الغرابة بمكان، جعل أبنائي ينفرون من الإجابة أو حتى من التفكير فيها. سؤالي كان: ماذا لو انقطع الانترنت فجأة من العالم أجمع، كيف سنمضي في حياتنا؟ ولأنني لم أحسن تصوّر الفكرة أيضًا، فقد أحلت السؤال إلى صديقنا "شات جي بي تي"، والذي أسهب في رده مشكورًا.

كان مما قاله: إذا انقطعت خدمة الإنترنت فجأة عن العالم كله، ولمدة طويلة، فسيكون ذلك أحد أكبر الأحداث في التاريخ الحديث، وربما يفوق في أثره الأزمات المالية أو الجوائح؛ لأن الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح البنية العصبية للحضارة الحديثة. خلال الدقائق الأولى سوف تتوقف تطبيقات المراسلة مثل واتساب وتليجرام وسيجنال. وستتعطل منصات التواصل الاجتماعي بالكامل. كما ستتوقف خدمات البريد الإلكتروني. وتتعطل الاجتماعات عبر Zoom وTeams وGoogle Meet. وعلى أثره سوف تتوقف آلاف المواقع الإلكترونية. ثم خلال الساعات الأولى ستتوقف التحويلات البنكية الدولية. وتتعطل معظم عمليات الدفع الإلكتروني. بما يصاحبها من توقف بطاقات الائتمان في كثير من نقاط البيع. وسترتفع طوابير السحب النقدي من أجهزة الصراف.

وعلى مستوى الطيران، ستحدث صعوبة في إدارة الرحلات، وإلغاء آلاف الرحلات، وسيتوقف الحجز الإلكتروني، وبالتالي سوف تضطرب مراقبة الحركة الجوية الدولية.

وعلى الصعيد التجاري، جميع المتاجر الإلكترونية سوف تتوقف، ومنها تتعطل خدمات التوصيل وتضطرب أيضًا سلاسل الإمداد. أمَّا في الأسواق المالية، فسوف يتوقف التداول في معظم البورصات، وسنواجه صعوبة في تسعير العملات. وبالتالي تجميد الكثير من الصفقات الدولية.

القطاع الصحي أيضًا سيتأثر؛ حيث سنفقد الوصول إلى السجلات الطبية السحابية. وبعض أنظمة الأشعة المرتبطة بخوادم خارجية. وعلى مستوى التعليم، سوف تتوقف الجامعات الافتراضية والمنصات التعليمية. وسيعود التعليم التقليدي بالكامل.

وعلى المستوى الأمني أيضًا سنواجه بعض التحديات مقابل بعض الحسنات في آثار متناقضة؛ فمن ناحية، سوف تختفي الجرائم الإلكترونية وتتوقف حملات التضليل عبر وسائل التواصل. لكن من ناحية أخرى، سوف تواجه أجهزة الأمن صعوبة في التواصل فيما بينها، ما ينتج عنه بطء في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وزيادة فرص الجرائم التقليدية بسبب ضعف التنسيق.

وسيواجه العالم بعض الآثار في الحياة الاجتماعية منها: شعور الفرد بالعزلة والملل. ثم بعد اعتياد الوضع العام، ستعود اللقاءات المباشرة بين الأفراد. وستتحسن العلاقات العائلية. قد ترتفع أيضا معدلات القراءة الورقية والبحث.

ثم خلال أسابيع، ستبدأ ظاهرة قد يُطلِق عليها علماء الاجتماع "الارتداد التناظري"؛ أي العودة إلى الوسائل القديمة مثل: الصحف الورقية، والإذاعة، والتلفزيون الأرضي، والهواتف الثابتة والمراسلات الورقية. ومنها سوف يتكبد العالم خسائر هائلة؛ حيث تشير تقديرات بعض الدراسات إلى أن انقطاع الإنترنت عالميًا ليوم واحد فقط قد يكلف الاقتصاد العالمي مئات المليارات من الدولارات، مع اختلاف التقديرات بحسب نطاق الانقطاع والقطاعات المتأثرة. وستكون الدول الأكثر اعتمادًا على الاقتصاد الرقمي هي الأكثر تضررًا.

ومن هنا، وبعد أن نقلتُ لكم ما قاله لي صديقنا "شات جي بي تي"، تذكَّرتُ ما قاله يومًا الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتاب "المراقبة والمعاقبة"؛ حيث قال: "إن السلطة الحديثة لا تحتاج دائما إلى استخدام القوة لأنها تجعل الناس ينظمون أنفسهم بأنفسهم".

اليوم.. ونحن نقف أمام هذه المفارقة، أجدُ أن الانترنت هو من يستخدمنا لا نحن من نستخدمه!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z