رأس المال البشري.. المورد الوطني الذي قد يُعيد تشكيل اقتصاد عُمان

 

 

 

د. مهند بن داود العصفور **

في الوقت الذي تمضي فيه سلطنة عُمان بثبات نحو تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الثروة الوطنية بما يتجاوز الموارد التقليدية كالنفط والغاز والمعادن. فالعالم يشهد تحولًا متسارعًا نحو اقتصادات المعرفة والابتكار والتقنيات المتقدمة، الأمر الذي يجعل الإنسان المورد الأكثر استدامة وتأثيرًا في صناعة المستقبل. وفي هذا السياق، أود طرح مفهوم أعتقد أنه يحمل بعدًا جديدًا، وهو "موارد رأس المال البشري" بوصفه إطارًا فكريًا واستراتيجيًا يقوم على إعادة تصنيف الإنسان باعتباره موردًا سياديًا وطنيًا يستحق أن يُدار ويُقاس ويُنمى ضمن منظومة الموارد الاستراتيجية للدولة.

لقد نجحت سلطنة عُمان خلال العقود الماضية في بناء دولة عصرية تتمتع ببنية أساسية متطورة واستقرار سياسي واجتماعي واقتصادي شكل قاعدة صلبة للتنمية. إلّا أن المرحلة المقبلة تتطلب تحولًا أعمق في التفكير التنموي، يقوم على الانتقال من إدارة الموارد الطبيعية إلى إدارة المورد الأكثر قيمة واستدامة، وهو الإنسان العُماني. فالإنسان لم يعد مجرد مستفيد من التنمية أو عنصر إنتاج داخل المؤسسات، بل أصبح المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي وصانع المستقبل ومصدر استدامة التنمية.

ورغم أن مفهوم رأس المال البشري ليس جديدًا في الأدبيات الاقتصادية، فإن الطرح المقترح هنا يختلف من حيث زاوية النظر والغاية الاستراتيجية. فالحديث لا يدور حول رأس المال البشري كعامل إنتاج أو أصل اقتصادي فحسب، وإنما حول "موارد رأس المال البشري" باعتبارها موردًا وطنيًا سياديًا للدولة، تمامًا كما يُنظر إلى موارد الطاقة أو الثروات الطبيعية. ولا يهدف هذا المفهوم إلى استبدال الأدبيات التقليدية لرأس المال البشري، بل إلى تطويرها وتوسيع نطاقها الاستراتيجي بما يتناسب مع متطلبات الاقتصاد المعرفي.

ويمكن تعريف "موارد رأس المال البشري" بأنه مجموع الطاقات البشرية الوطنية القابلة للتطوير والاستثمار والتوظيف اقتصاديًا واجتماعيًا بما يسهم في تعزيز النمو والابتكار والتنافسية والاستدامة المالية للدولة". ويتميز هذا المفهوم بأنه ينظر إلى الإنسان باعتباره موردًا مركبًا يجمع المعرفة والمهارات والصحة والقيم والسلوكيات والقدرات القيادية والإبداعية التي يمكن تحويلها إلى قيمة وطنية مستدامة.

وتكمُن أصالة هذا الطرح في أنه لا يتمثل في الدعوة إلى الاستثمار في الإنسان، فهذه الفكرة أصبحت من المسلمات التنموية المعاصرة، وإنما في إعادة تعريف الإنسان باعتباره موردًا سياديًا وطنيًا. فجوهر الإسهام الفكري المقترح يتمثل في إعادة تموضع رأس المال البشري ضمن منظومة الموارد الوطنية الاستراتيجية، بما يفتح آفاقًا جديدة لتصميم السياسات العامة وقياس الثروة الوطنية وإدارة التنمية على المدى الطويل.

وحسب اعتقادي، فإن هذا التحول المفاهيمي قد يسهم في إعادة رسم العلاقة بين الدولة والاقتصاد والإنسان، بحيث تصبح موارد رأس المال البشري أصلًا وطنيًا استراتيجيًا تُبنى حوله السياسات والاستثمارات والمؤشرات الوطنية. وبهذا المعنى، فإن المفهوم لا يمثل مجرد امتداد لرأس المال البشري التقليدي، بل إطارًا فكريًا جديدًا يسعى إلى نقل الإنسان من كونه مستفيدًا من التنمية إلى كونه المورد الوطني الأهم في صناعة التنمية ذاتها.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة بالنسبة لسلطنة عُمان في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة. فبينما كانت الموارد الطبيعية لعقود طويلة تمثل المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، أصبحت المعرفة والابتكار والقدرة على إنتاج الأفكار والتقنيات والخدمات المتقدمة هي المحدد الأهم لتنافسية الدول. كما أن ما يميز الإنسان العُماني أنه مورد متجدد وقابل للنمو المستمر؛ فالنفط مورد ناضب، أما القدرات البشرية فكلما تم الاستثمار فيها ازدادت قيمتها الاقتصادية والاجتماعية وقدرتها على إنتاج فرص وثروات جديدة.

وتتمتع السلطنة بمقومات حقيقية تؤهلها لتبني هذا التوجه، من أبرزها الاستقرار السياسي والاجتماعي، والتوسع المستمر في التعليم، وتسارع برامج التحول الرقمي، ووجود شريحة شبابية واسعة وطموحة، إضافة إلى موقعها الجغرافي المتميز وانفتاحها على الاقتصاد العالمي. كما ينسجم هذا الطرح بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" التي وضعت الإنسان والاقتصاد المعرفي والابتكار في قلب عملية التنمية.

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يسهم تبني هذا التوجه في رفع إنتاجية الفرد العُماني، وتعزيز مساهمة الاقتصاد المعرفي في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة تنافسية الشركات الوطنية، واستقطاب الاستثمارات النوعية. أما اجتماعيًا، فإنه يسهم في تعزيز جودة الحياة وتمكين الشباب والمرأة ورفع مستويات المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، بينما يساعد ماليًا على تقليل الاعتماد طويل المدى على الإيرادات الريعية وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.

ولتحقيق ذلك عمليًا، قد يكون من المناسب إطلاق "الاستراتيجية الوطنية لموارد رأس المال البشري"؛ لتكون إطارًا جامعًا يربط بين التعليم والصحة وسوق العمل والاقتصاد والتحول الرقمي وريادة الأعمال. كما يمكن تطوير مؤشر وطني شامل لقياس موارد رأس المال البشري ومتابعة تطورها وعوائدها الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل. وفي هذا السياق أقترح تطوير "النموذج الوطني لموارد رأس المال البشري"، الذي يهدف إلى تحويل رأس المال البشري من مفهوم تنموي عام إلى مورد سيادي وطني يُدار ويُقاس ويُنمى وفق مؤشرات وأهداف استراتيجية واضحة.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي تستثمر في الإنسان تتفوق حتى وإن كانت محدودة الموارد الطبيعية، بينما قد تتراجع دول غنية بالموارد إذا أهملت بناء قدراتها البشرية. غير أن ما يدعو إليه هذا الطرح يتجاوز فكرة الاستثمار في الإنسان إلى إعادة تعريف الإنسان نفسه باعتباره موردًا سياديًا وطنيًا يمثل أحد أهم عناصر القوة الوطنية الشاملة للدولة.

وربما يكون السؤال الأهم الذي تفرضه التحولات الاقتصادية العالمية اليوم هو: ما المورد الوطني الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين؟ وحسب قناعتي، فإن الإجابة لم تعد تكمن في الموارد الطبيعية وحدها، على أهميتها، بل في الإنسان وقدرته على التعلم والابتكار والإنتاج والتكيف مع المتغيرات المتسارعة. ومن هنا فإن التعامل مع «موارد رأس المال البشري» باعتبارها موردًا سياديًا وطنيًا قد لا يكون مجرد خيار تنموي، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الاقتصاد العُماني وتعزيز تنافسيته في عالم تتزايد فيه قيمة المعرفة أكثر من أي مورد آخر.

إنَّ مستقبل الاقتصادات لن يكون للأكثر امتلاكًا للموارد الطبيعية، بل للأكثر قدرة على تنمية موارده البشرية وتحويلها إلى قوة اقتصادية واجتماعية وسيادية مستدامة. وإذا كان القرن الماضي قد ارتبط باقتصاد الموارد الطبيعية، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون قرن موارد رأس المال البشري، حيث تصبح العقول والمهارات والقدرات الوطنية المصدر الحقيقي للثروة والقوة والاستدامة.

** مُختص في الموارد البشرية والتطوير المؤسسي

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z