د. سالم بن حسن الشنفري
المؤشرات الاقتصادية في سلطنة عُمان لا تُقرأ بوصفها أرقامًا في تقارير دولية، ولا أرقامًا اقتصادية تقرأ بعين التحفّظ، بل باتت تشكّل تحوّلًا هيكليًّا كبيرًا في مسار الاقتصاد الوطني، إن ما يحدث اليوم هو علامة فارقة في مسار الاقتصاد، تعيد تعريف علاقة الحكومة مع النفط، ومع الدَّيْن، ومع الإنفاق العام؛ فعُمان لا تعالج أزمة؛ بل تعيد بناء نموذجها الاقتصادي من جديد؛ فبعد سنوات من القلق بسبب تأثيرات النفط، دخلت السلطنة مرحلة جديدة، وهي مرحلة تتميز بالتحسن المالي المستدام، وتراجع الدين العام، وزيادة في الاقتصاد غير النفطي؛ وذلك نتيجة تحسينات تراكمية بدأت بقرارات صعبة، ولكنها تؤتي ثمارها اليوم في شكل استقرار نادر في منطقة اعتادت على الصدمات أكثر من الاستدامة.
للمرة الأولى منذ عقود، توجد ثلاث حقائق مهمة معًا: فائض مالي، وفائض في الحساب الجاري، وتضخم منخفض. هذا المزيج من الحقائق لا يحدث عادة إلا في الاقتصادات المستقرة التي لها قواعد إنتاجية متنوعة، الفرق هنا هو أن عُمان وصلت إلى هذه النقطة، وهي ما زالت في منتصف تحولها الهيكلي، وليس في نهايته، وهذا يجعل الوضع غير مسبوق حقًّا.
وأتى ذلك بفضل اختيار الطريق الأصعب، المتمثل في وضع خطة منضبطة للتوازن المالي، ومراجعة الدعم، وإعادة هيكلة الإنفاق وترشيده، وإصلاحات في جانب الإيرادات؛ إذ انتقلت المالية العامة من نهج "سدّ العجز" إلى نهج "بناء الاستدامة"، والنتيجة دولة أقل اعتمادًا على الاقتراض، وأكثر قدرة على التخطيط، فحين يتراجع الدَيْن العام إلى مستويات آمنة، فإن الحكومة لا تستعرض رقمًا، بل تستعيد سيادتها المالية، وتسترد مساحة القرار بعيدًا عن كلفة الفوائد وضغوط التصنيفات الائتمانية.
إن تخفيف العبء على الموازنة العامة يعيد الثقة في الأسواق، ويخفض كلفة الاقتراض، ويفتح المجال أمام استثمارات تنموية لا تموَّل بالدَّيْن، فالنمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة انتقل من الاعتماد على قطاع الطاقة، الى الاعتماد على قطاعات أخرى في إطار السعي إلى تنويع مصادر الدخل، وهنا تحديدًا يظهر المعنى الحقيقي لرؤية «عُمان 2040» بوصفها مشروعًا اقتصاديًّا لا شعارًا تنمويًا.
ووجود اقتصاد متنوع لا يعني التخلي عن النفط، بل تحرير النمو من تبعيته، وهو ما يتعين على الحكومة تحقيقه، أي: أن الاقتصاد لا يُبنى على النفط وحده، بل النمو اليوم يأتي من الصناعة التحويلية، والبتروكيماويات، وصناعة المعادن، واللوجستيات، والسياحة، وتقنية الاتصالات والمعلومات، بالإضافة إلى الصناعات الغذائية، وهذه من أبرز القطاعات الداعمة للاقتصادات الوطنية؛ إذ تسهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي، وتوليد فرص العمل، وتعزيز الصادرات، وهي ليست قطاعات تكميلية، بل أعمدة اقتصاد جديدة، إذا أُحسن تمكينها فسيكون التحول هنا ليس شكليًّا، بل بنيويًّا، من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي.
ولا يكفي في لحظة توفر الفوائض المالية، التعامل معها كونها فرصًا للإنفاق، بل لكونها نوافذ لإعادة تشكيل الاقتصاد على أسس أكثر متانة واستدامة وعدالة، وهنا تبرز أولوية توجيه هذه الموارد نحو استثمارات منتجة خارج الإطار النفطي، تعزز من تنوع القاعدة الاقتصادية، وتفتح آفاقًا جديدة للنمو، فالرهان الحقيقي لا يكمن في ضخ الأموال فحسب، بل في بناء قطاعات قادرة على توليد قيمة مضافة، وتمكين رواد الأعمال، والاستثمار في الإنسان بوصفه المحرك الأهم لأي تحول اقتصادي.
وفي موازاة ذلك، تمثل الصناديق السيادية أداة إستراتيجية لتحويل الفوائض إلى مصدر دخل مستدام يتجاوز تقلبات الأسواق، فالإدارة الاحترافية والشفافة لهذه الصناديق تضمن تعظيم العوائد وحماية الأصول، بما يعزز الاستقرار المالي على المدى الطويل، ويؤسس لاقتصاد أكثر مرونة في مواجهة الأزمات، ويصون حقوق الأجيال القادمة في نصيب عادل من هذه الثروات.
أما على مستوى المواطن، فإن القيمة الحقيقية للفوائض تقاس بمدى انعكاسها على جودة حياته اليومية، فحين تترجم هذه الموارد إلى خدمات أفضل في الصحة والتعليم والبنية الأساسية، وإلى فرص عمل حقيقية قائمة على الإنتاجية، يشعر المواطن بأن التنمية ليست شعارًا، بل واقعًا ملموسًا بين الاستثمار للمستقبل وتحقيق الأثر الآني، لتجسيد المعادلة التي تصنع اقتصادًا متوازنًا، وتبني ثقة مستدامة بين الدولة والمجتمع.
غير أن لحظة الاستقرار هذه لا تعني انتهاء التحديات، فالاقتصاد العالمي لا يزال متقلبًا، وسلاسل الإمداد تتغير، وأسعار الطاقة ليست مضمونة متأرجحة بين ارتفاع وانخفاض، والتحولات الرقمية والمناخية تفرض نماذج إنتاج جديدة، وهذه كلها مؤشرات تتطلب الاستعداد لها؛ للحفاظ على الوضع الاقتصادي؛ فالاستدامة لا تُقاس بالفوائض وحدها؛ بل بما في المصانع، والموانئ، وبقدرة الاقتصاد على خلق وظائف نوعية للشباب، وتحفيز الابتكار، وزيادة إنتاجية العامل العُماني، وتمكين القطاع الخاص من قيادة النمو بما يؤدي إلى تغيير في حياة الناس؛ فالحكومة يمكنها أن تهيئ الإطار، لكن المحرك الحقيقي لأي اقتصاد متقدّم هو الاستثمار المنتج، لا الإنفاق الجاري.
وفي ذات السياق، تبرز الحاجة إلى دعم وتعزيز صناعة القرار الاقتصادي الحكومي برؤية وخبرة عالمية متخصصة، ضمن مجلس من المستشارين الاقتصاديين الدوليين يعمل تحت مظلة مكتب صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، يتولى تقديم المشورة الاستراتيجية، ورسم السياسات الاقتصادية العامة؛ بما يعزز جودة القرارات الاقتصادية، ويضمن توافقها مع أفضل الممارسات الدولية، مع تمكين الحكومة من ترجمة هذه السياسات إلى برامج تنفيذية فعالة تحقق الأثر المنشود.
إنَّ عُمان اليوم تقف عند نقطة فاصلة، إمّا أن تتحول الفوائض إلى منصة انطلاق لاقتصاد تنافسي متنوع، أو تبقى مجرد هوامش أمان في دورة نفطية جديدة، والفارق بين المسارين لا تصنعه الأرقام، بل القرارات التي تُتخذ حين يكون الاقتصاد في أفضل حالاته.
