ماذا لو كان الطفل والطفولة أولًا؟

 

 

 

حسين بن محمد اللواتي **

في كل مرحلة من مراحل التطور الإنساني، كان على المجتمعات أن تجيب عن سؤال واحد: كيف نستفيد من التقدم دون أن نفقد ما يجعلنا مجتمعًا متماسكًا؟

واليوم، ونحن نعيش في عالم رقمي تتسارع فيه التقنيات بصورة غير مسبوقة، يعود السؤال ذاته بصيغة جديدة: كيف نمنح أبناءنا فرص التعلم والابتكار والانفتاح على العالم، وفي الوقت نفسه نحافظ على طفولتهم، ونحمي قيمهم، ونصون هويتهم؟

المشكلة ليست في التقنية، ولن تكون يومًا في التقنية نفسها. فالعالم الرقمي أصبح جزءًا أصيلًا من حياتنا، ومحركًا للتعليم والاقتصاد والإبداع، وستزداد أهميته مع كل يوم. لكن العالم، وفي خضم هذا التسارع، بدأ يلتفت إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نحمي الطفل داخل هذا العالم؟

ولهذا، بدأت دول عديدة في سن تشريعات تنظم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، وتُلزم شركات التقنية بمسؤوليات أكبر تجاه حماية الطفل، والتحقق من العمر، وحماية الخصوصية، والحد من المحتوى الضار، والتصميم الإدماني لبعض المنصات. ولم يعد النقاش يدور حول منع التقنية، بل حول حوكمتها، وتنظيمها، وتحقيق التوازن بين فوائدها ومخاطرها.

غير أن أي تشريع، مهما بلغت دقته وعمقه، لن ينجح إذا بقي بعيدًا عن الأسرة.

والأسرة في سلطنة عُمان ليست مجرد إطار اجتماعي، بل هي المدرسة الأولى التي تتشكل فيها الشخصية، وتُغرس فيها القيم، ويُبنى فيها الضمير، ويتعلم فيها الأبناء معنى الاعتدال والمسؤولية.

وقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في أكثر من مناسبة على الدور الأصيل للأسرة في ترسيخ القيم، وتعزيز الثقافة، وبناء الإنسان العُماني، وهو توجيه يزداد أهمية في عصر أصبحت فيه الشاشات تنافس الأسرة على وقت الأبناء واهتمامهم.

ومن هنا، فإن حماية الطفل رقميًا لا تبدأ من الهاتف، وإنما تبدأ من البيت.

تبدأ من جلسة حوار هادئة، ومن سؤال صادق، ومن وقت تقضيه الأسرة مع أبنائها، ومن بناء الثقة قبل فرض القيود.

فلا يكفي أن نمنع فقط، ولا يكفي أن نراقب فقط؛ بل ينبغي أن نربي، وأن نحاور، وأن نرافق أبناءنا في رحلتهم الرقمية بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يصبح الوعي نابعًا من الداخل، لا مفروضًا من الخارج.

إن التربية الرقمية اليوم أصبحت امتدادًا للتربية الأسرية، تمامًا كما نعلّم أبناءنا الصدق، والاحترام، وتحمل المسؤولية.

ومن هنا تأتي أهمية أن تتبنى الأسرة ثقافة جديدة، تقوم على فهم التطبيقات التي يستخدمها الأبناء، ومعرفة تصنيفاتها العمرية، والاتفاق معهم على ضوابط واضحة للاستخدام، وتشجيعهم على التوازن بين العالم الرقمي والعالم الواقعي، بما يحفظ لهم طفولتهم، ويعزز مهاراتهم الاجتماعية، ويقوي روابطهم الإنسانية.

لقد أشار سعادة خميس بن حمدان الغافري، عضو مجلس الشورى -ممثل ولاية الرستاق- في منشوره حول هذا الموضوع، إلى أن الأسرة هي خط الدفاع الأول في حماية الطفل، وهي عبارة تختصر جوهر القضية؛ فالتشريع ينظم، والمدرسة توعي، والمجتمع يساند، لكن الأسرة تبقى الحصن الأول الذي تتشكل داخله شخصية الطفل وقيمه وسلوكياته.

ومع ذلك، فإن مسؤولية حماية الطفل لا يمكن أن تُلقى على عاتق الأسرة وحدها؛ فالأسرة بحاجة إلى منظومة وطنية تساندها، وإلى تشريعات واضحة، وسياسات متوازنة، ومنصات رقمية تتحمل مسؤولياتها، ومؤسسات تعليمية تعزز الثقافة الرقمية، وإعلام يرفع الوعي، وجهات تنظيمية تتابع، وتراقب، وتطور.

وهذا هو الاتجاه الذي تتبناه اليوم الأمم المتحدة، من خلال مبدأ "الطفل أولًا"، الذي يجعل المصلحة الفضلى للطفل أساسًا لكل تشريع أو سياسة أو قرار يتعلق بالبيئة الرقمية. فالمطلوب ليس أن نمنع الطفل من العالم الرقمي، بل أن نجعل العالم الرقمي أكثر أمانًا للطفل.

ومن هنا، فإن الحوكمة لم تعد خيارًا تنظيميًا، بل أصبحت ضرورة مجتمعية. فالحوكمة تعني أن تكون الأدوار واضحة، والمسؤوليات موزعة، والمساءلة قائمة، وأن تتحمل المنصات الرقمية مسؤوليتها في حماية الأطفال، كما تتحملها الأسرة، والمدرسة، والدولة، والمجتمع.

إن التشريع في هذا المجال لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه قيد على التقنية، بل كضمانة لاستخدامها بصورة مسؤولة. ولا ينبغي أن يكون هدفه المنع، بل بناء بيئة رقمية آمنة، تراعي الخصوصية، وتحمي الطفولة، وتدعم الأسرة، وتُلزم الشركات بمعايير واضحة، وتواكب أفضل الممارسات العالمية.

ماذا لو استطعنا أن نصوغ في سلطنة عُمان نموذجًا وطنيًا متوازنًا، يجمع بين قيمنا الأصيلة، والسمت العُماني، والانفتاح على المستقبل؟ ماذا لو أصبح الحوار الأسري، والتربية الواعية، والتشريع الرشيد، والحوكمة الفاعلة، شركاء في حماية الطفل؟ ماذا لو نشأ لدينا جيل يستخدم التقنية ليبدع، لا ليُستنزف، ويتواصل ليبني، لا لينعزل، ويتعلم ليقود المستقبل، دون أن يفقد طفولته أو هويته؟

إن مستقبل أطفالنا لا تصنعه الشاشات وحدها، ولا التشريعات وحدها، بل تصنعه منظومة متكاملة يكون فيها "الطفل أولًا"، وتكون الأسرة قلبها، والقيم روحها، والتشريع إطارها، والحوكمة ضمانة استدامتها. وعندما نضع الطفل أولًا، فإننا لا نحمي طفولته فحسب؛ بل نحمي مستقبل وطن بأكمله.

 

** عضو بمجلس الشورى

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z