سعيد المالكي
بدأتُ أشعرُ بسعادة غامرة واطمئنان عميق على مستقبل التجارة في البلاد كلما رأيت كلمة "تايم" تتوسع وتتمدد وتزحف بثقة إلى أسماء المقاهي والمطاعم والأنشطة التجارية المختلفة.
بل أصبحتُ مقتنعًا أن الجهات المعنية بدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تختصر على أصحاب المشاريع كثيرًا من الوقت والجهد. فلا حاجة إلى دراسات جدوى معقدة، ولا خطط تسويقية طويلة، ولا أبحاث سوق مرهقة.
كل ما عليك فعله هو اختيار أي نشاط تجاري يخطر ببالك، ثم إلصاق كلمة أجنبية رنانة في آخر الاسم كما تُلصق شهادة الجودة على المنتجات، لتصبح فرص النجاح أقرب من أي وقت مضى: (مندي تايم - شاورما تايم - كوفي تايم - برجر تايم). ولا أستبعدُ أن نرى قريبًا: (مواقف تايم - إطارات تايم - مغسلة تايم)، وربما "تايم تايم" نفسه، احتياطًا لمزيد من النجاح.
وإذا شعرتَ أن "تايم" أصبحت مُستهلكة أكثر من اللازم، فلا تقلق. هناك خيارات أخرى متاحة، مثل: سكوير أو داون تاون.
وغيرها من الكلمات التي يبدو أن وجودها في اللافتة يمنح النشاط التجاري جرعة إضافية من الحداثة، حتى لو كان لكل واحدة منها مقابل عربي واضح ومباشر. حتى بات المرء أحيانًا يخشى أن يفتتح أحدهم "بقالة سكوير" أو "مندي داون تاون"، ثم ينجح المشروع لا لشيء إلا لأن الاسم لم يتحدث العربية.
لقد أصبح واضحًا أن النجاح التجاري في عصرنا لم يعد مرتبطًا بجودة المنتج أو حسن الخدمة أو نظافة المكان، فهذه أمور تقليدية تجاوزها الزمن. أما سر النجاح الحقيقي فيبدو أنه يكمن في إضافة كلمة واحدة إلى اللافتة.
ولكي أدحض الشك باليقين، وبعد بحث عميق، لم أجد أصلًا للكلمة في اللغة العربية، بل اكتشفت أنها كلمة إنجليزية. ورغم معرفتي الجيدة باللغة الإنجليزية، بدأت أشك في نفسي.
فقلتُ: لعل في كلمة "تايم" معنى عظيمًا غاب عني طوال هذه السنوات. ربما تعني النجاح، أو الجودة، أو الثراء السريع، أو رضا الزبائن، أو الحصول على تقييم خمس نجوم تلقائيًا. وربما تكون اختصارًا سريًا لا يعرفه إلا خبراء التسويق وأصحاب اللافتات.
عدتُ إلى القواميس والمعاجم، وراجعت الشروحات، بل سألت الذكاء الاصطناعي نفسه. ثم اكتشفت الحقيقة الصادمة.
الكلمة تعني: "وقت".. فقط وقت. لا أكثر، ولا أقل.
لم أجد فيها وصفة سرية للنجاح التجاري، ولا شهادة جودة عالمية، ولا تصريحًا بالحداثة، ولا رخصة للتطور، ولا حتى خصمًا ضريبيًا. مجرد كلمة تعني "وقت".
خذوا مثالًا واحدًا فقط من عشرات الأمثلة المنتشرة حولنا. عندما نقرأ اسمًا مثل "مندي تايم"، فما الذي أضافته كلمة "تايم" إلى الاسم سوى أنها ترجمة لكلمة "وقت"؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يسمى المطعم ببساطة "وقتُ المندي"، ثم تُكتب الترجمة الإنجليزية أسفل الاسم لمن يحتاجها: (Mandi Time)؟ أم أن الوقت يكتسب قيمة تسويقية إضافية بمجرد أن يرفض التحدث بالعربية؟
وإذا كان الاسم التجاري اسمًا خاصًا فحسب، فلماذا لا يُكتب الاسم العربي نفسه بالأحرف الإنجليزية كما تفعل شعوب كثيرة تحترم لغاتها وهوياتها؟
الأسماء في النهاية أسماء. والعالم كله يعرف العلامات التجارية وأسماء المدن وأماكنها بلغاتها الأصلية دون أن يطالب أصحابها بترجمتها أو استبدالها؛ بل إن بعض أشهر العلامات التجارية في العالم ليست كلمات إنجليزية أصلًا، ومع ذلك لم يشعر أصحابها بالحاجة إلى تغييرها أو الاعتذار عنها.
وللتوضيح، فالمقال لا يعترض على كلمة "تايم" أو "سكوير" بذاتهما أو غيرهما، ولا يحمل لأي كلمة أجنبية خصومة خاصة؛ فهي، على الأقل، كلمات حقيقية يمكن العثور عليها في القواميس ومعرفة معانيها.
أما بعض الأسماء الأخرى المنتشرة اليوم، فربما تحتاج أولًا إلى العثور عليها قبل البحث عن معناها؛ فهناك أسماء لا هي عربية ولا إنجليزية، ولا يبدو أنها تنتمي إلى أي لغة يعرفها معظم الناس، ومع ذلك تتصدر اللافتات وتُقدَّم وكأن الغموض في حد ذاته ميزة تسويقية.
ولهذا فإن "تايم" ليست سوى مثالٍ ظاهر لظاهرة أوسع، أصبح فيها الابتعاد عن العربية هدفًا بحد ذاته أحيانًا، حتى لو كان البديل كلمة لا تعني شيئًا واضحًا لأحد.
ولعل "تايم" ليست سوى أشهر أفراد هذه العائلة. فإلى جانبها ظهرت كلمات أخرى مثل "سكوير" و"داون تاون"، تتكرر في أسماء المحال والمجمعات والمشاريع التجارية، حتى ليخيل للمرء أحيانًا أن الاسم كلما ابتعد عن العربية ازداد حظًا في القبول والجاذبية.
ولا أحد يعترض على تعلُّم اللغات الأخرى أو الاستفادة منها، فذلك أمر طبيعي ومطلوب. لكن المُستغرَب أن يحدث هذا في بلد عربي، وبين أصحاب أنشطة عربية، وفي مجتمع يتحدث العربية، وكأن اللغة العربية أصبحت في نظر البعض أقل قدرة على التعبير أو أقل ملاءمة للاستخدام التجاري.
والمفارقة أننا لا نتحدث عن أي لغة عادية، بل عن لغة اختارها الله سبحانه وتعالى وعاءً لكتابه الكريم، ومع ذلك يبدو أحيانًا أن بعض اللافتات تتعامل معها وكأنها أقل أهلية للظهور من الكلمات المستوردة.
والأمر هنا لا يتعلق بمجرد كلمة واحدة، بل بمشهد كامل؛ فالمقاهي والمطاعم والمحال التجارية ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي جزء من الصورة التي يراها الزائر والسائح يوميًا، وأحد العناصر التي يتعرف من خلالها على هوية البلد وثقافته ولغته.
فحين يزور السائح بلدًا عربيًا، من الطبيعي أن يتوقع رؤية اللغة العربية حاضرة في الواجهات والأسماء والمشهد العام. أما أن يجد نفسه أمام سيل من الأسماء الأجنبية أو الهجينة التي لا تحمل أي ملامح محلية واضحة، فذلك يدفعه إلى التساؤل: أين لغة هذا البلد؟ وأين هويته؟
ومع كامل التقدير للشركات الأجنبية المُستثمِرة في البلاد، فمن الطبيعي أن تعمل بأسمائها وهوياتها الأصلية، فهذا أمر مفهوم ومقبول. لكن الحديث هنا عن أنشطة محلية، وأصحابها عرب، وزبائنها في الغالب عرب، وتقع في بلد عربي، ومع ذلك تبدو بعض أسمائها وكأنها تخشى الاقتراب من اللغة العربية، وكأنها عبء ينبغي التخلص منه لا هوية ينبغي الاعتزاز بها.
أجدُ نفسي مضطرًا لطرح سؤال قد يراه البعض حادًا أو مبالغًا فيه، لكن كثرة ما نراه من أسماء ولافتات تدفعني إلى طرحه: هل هناك من يسعى -عن قصد أو عن غير قصد- إلى تغييب الهوية العربية والعُمانية من المشهد العام؟
وأعترفُ أنني لا أملك دليلًا على وجود مشروع منظم أو خطة مُعلنة لطمس الهوية. لكنني أجد صعوبة في تجاهل النتيجة التي تتكرر أمامنا يومًا بعد يوم.
لربما يكون من المُبكِّر الحديث عن طمس الهوية، لكن من الصعب أيضًا تجاهل المشهد حين تتكرر الظاهرة بهذا الاتساع.
فحين تتراجع العربية في الأسماء التجارية، وتتراجع في اللافتات، وتتراجع في التسميات، ثم يُنظر إلى الاسم العربي على أنه أقل جاذبية أو أقل حداثة من الاسم الأجنبي. بالتالي، من الطبيعي أن أتساءل: إذا لم يكن هذا شكلًا من أشكال طمس الهوية، فماذا يمكن أن نُسمِّيه؟
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت أسماء الأنشطة التجارية واللافتات لا تُعتمد إلا بعد مراجعتها من جهات مختصة، فأين تقف مسألة الهوية اللغوية ضمن معايير الاعتماد؟ ومن هي الجهة التي يفترض أن توازن بين حرية اختيار الأسماء التجارية وبين المحافظة على الملامح الثقافية والبصرية للبلد؟
الظاهرة لا تزال تستمر في الاتساع، حتى أصبح المرء أحيانًا يشعر أن اللغة العربية مطالبة بإثبات أحقيتها في الظهور داخل بلدها، بينما تُمنح الكلمات الأجنبية، بل وحتى الكلمات التي لا تنتمي إلى أي لغة مفهومة، حق الإقامة الدائمة دون أي سؤال.
ويبقى السؤال الذي لم أجد له جوابًا حتى الآن: إذا كانت "تايم" تعني "وقت"، فلماذا نخجل من الوقت عندما يتحدث العربية؟
