محمد بن رامس الرواس
تُقدَّر المضايق والممرات المائية المهمة في العالم بالعشرات، غير أن الأبرز منها جغرافيًا واقتصاديًا نحو 66 ممرًا مائيًا، وفي مقدمتها مضيق هرمز، وباب المندب، وملقا، وجبل طارق، وقناة السويس، وقناة بنما، والبوسفور، والدردنيل. غير أن مضيق هرمز يظل في صدارة هذه الممرات، لما يمثله من شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية.
وما إن تم الإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، حتى بدأت مؤشرات الثقة تعود تدريجيًا إلى المضيق؛ فعادت السفن إلى مساراتها، وظهرت مسارات أكثر أمانًا، منها الممر الجنوبي في الجانب العُماني من المضيق، واستأنفت شركات النقل البحري عملياتها، وانخفضت المخاوف التي خيمت على أسواق الطاقة خلال فترة الأزمة.
لقد أثبتت هذه العودة أن الاقتصاد العالمي لا يحتمل إغلاق هذا الممر تحديدًا، وأن المصالح التجارية قادرة، في كثير من الأحيان، على دفع الأطراف نحو التهدئة، متى ما أصبحت تكلفة التصعيد أعلى من تكلفة الحوار.
وقبل اندلاع الأزمة الأخيرة، كان مضيق هرمز يشهد عبور ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميًا، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال والبضائع التجارية، عبر نحو 125 سفينة يوميًا بين ناقلات نفط وغاز وسفن تجارية. ومع تصاعد التوترات، انخفضت حركة الملاحة بصورة حادة، وتراجعت إلى ما يقارب 10 في المائة من مستوياتها المعتادة، في مشهد أثار قلق الأسواق العالمية، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وأعاد إلى الأذهان هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أمام الأزمات الجيوسياسية.
إن مضيق هرمز يكشف حقيقة مهمة في العلاقات الدولية؛ وهي أن الممرات البحرية ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل شرايين حياة للاقتصاد العالمي. فكل سفينة تعبر المضيق تحمل معها جزءًا من استقرار الأسواق، وكل يوم يعمل فيه المضيق بكامل طاقته يعني استمرار المصانع، ووصول الوقود، واستقرار أسعار الطاقة، وتدفق السلع إلى ملايين المستهلكين حول العالم.
وفي خضم هذه المعادلة، تبرز سلطنة عُمان بوصفها دولةً تطل على الجزء الجنوبي من مضيق هرمز، وهو الجزء الأكثر عمقًا والأيسر لعبور السفن العملاقة. ومع ذلك، ظلت السلطنة وفية لنهجها السياسي القائم على الحكمة والاعتدال وبناء الجسور بين مختلف الأطراف، مستمعةً إلى صوت الحق والإنصاف والتفاهم، لا إلى ضجيج التصعيد.
وهذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة عقود من الدبلوماسية الهادئة التي جعلت من سلطنة عُمان شريكًا موثوقًا في دعم الأمن البحري، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والمحافظة على انسيابية التجارة الدولية.
وسيظل مضيق هرمز شاهدًا على أن الجغرافيا قد تمنح الدول موقعًا استثنائيًا، لكن الحكمة وحدها هي التي تمنح هذا الموقع قيمته السياسية والاقتصادية؛ فالممرات البحرية لا تحتاج إلى القوة وحدها، وإنما تحتاج، قبل ذلك، إلى عقل رشيد، ودبلوماسية متزنة، وتفاهمات دولية تُدرك أن أمن البحر هو أمن العالم.
