عباس الزدجالي
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، وتستفيد من انسياب الحركة فيه عشرات الدول ومئات الشركات وآلاف السفن سنويًا. ولهذا السبب ظل المضيق محور اهتمام دولي دائم باعتباره شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، لا مجرد ممر مائي يهم الدول المطلة عليه فقط.
وخلال الأزمات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، عاد الحديث مجددًا حول حرية الملاحة في المضيق وحق جميع السفن في المرور الآمن وفقًا لقواعد القانون الدولي. ولا خلاف على أهمية هذا المبدأ، فهو أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام البحري العالمي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من يتحمل كلفة ضمان هذه الحرية؟
حماية الملاحة في مضيق هرمز لا تتم تلقائيًا، بل تتطلب بنية أساسية متطورة، وأنظمة مراقبة ملاحية، وقدرات بحث وإنقاذ، وخططًا للاستجابة للتلوث البحري والحوادث البحرية، إضافة إلى التنسيق المستمر مع المنظمات الدولية المختصة. وهذه الأعباء تتحملها بصورة مباشرة الدول الساحلية المطلة على المضيق وفي مقدمتها سلطنة عُمان.
ويؤكد القانون الدولي للبحار حق المرور العابر عبر المضائق الدولية، لكنه في الوقت ذاته لا ينفي مسؤوليات الدول الساحلية ولا حقوقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان السلامة البحرية وحماية البيئة وتنظيم حركة الملاحة وفقًا للاتفاقيات الدولية ذات الصلة. كما يميز القانون بين رسوم العبور المفروضة على مجرد المرور، وبين الرسوم المرتبطة بخدمات فعلية تقدم للسفن مثل الإرشاد البحري وخدمات الموانئ والإنقاذ ومكافحة التلوث وغيرها من الخدمات المشروعة المعترف بها دوليًا.
ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز ينبغي ألا يقتصر على المطالبة بحرية المرور فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا مسألة العدالة في توزيع الأعباء والكلف المترتبة على حماية هذا المرفق العالمي الحيوي الذي تستفيد منه دول لا تطل عليه أصلًا ولا تتحمل شيئًا من مسؤولياته اليومية.
وقد جاء البيان الوزاري المشترك الأخير بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي ليؤكد أهمية حرية الملاحة وإعادة فتح المضيق ورفض فرض أي رسوم أو ضرائب أو محاولات للسيطرة عليه. ورغم أن هذا الموقف يعكس رؤية سياسية مشتركة بين واشنطن والعواصم الخليجية، إلا أنه لا يُغيِّر من الحقائق القانونية التي تمنح الدول الساحلية حقوقًا ومسؤوليات واضحة في إدارة الجوانب التنظيمية والفنية المرتبطة بالملاحة وسلامة البيئة البحرية.
ولعل الإعلان العُماني بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية عن إتاحة ممر ملاحي مؤقت للسفن الراغبة في عبور مضيق هرمز خلال الأزمة الأخيرة، يقدم مثالًا عمليًا على الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في إدارة حركة الملاحة وتأمينها. فبينما انشغل كثيرون بالجدل السياسي حول حرية المرور، كانت السلطنة تعمل ميدانيًا على إيجاد حلول تضمن سلامة السفن والبحارة واستمرارية حركة التجارة العالمية.
ولم يقتصر الأمر على تنظيم حركة السفن فحسب، بل امتد ليشمل معالجة الأوضاع الإنسانية الناجمة عن الأزمة؛ حيث جرت الإشادة بالجهود العُمانية والتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية لإجلاء أكثر من 11 ألف بحّار ظلوا عالقين في المنطقة نتيجة التوترات الأخيرة. وهذه المهمة بحد ذاتها تعكس حجم المسؤوليات التي تتحملها الدول الساحلية في أوقات الأزمات، وهي مسؤوليات تتجاوز مجرد السماح بالمرور إلى إدارة المخاطر وحماية الأرواح والحفاظ على استمرارية أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وقد أثار الإعلان عن الممر الملاحي المؤقت بعض التفسيرات التي ذهبت إلى حد اعتبار الخطوة تجاوزًا للدور الإيراني أو محاولة لفرض واقع جديد في المضيق. إلّا أن الوقائع تشير إلى غير ذلك. فالممر المعلن لم يُطرح بديلًا دائمًا لمضيق هرمز أو للمسارات الدولية المعتمدة، وإنما كإجراء مؤقت واستثنائي فرضته ظروف الأزمة لضمان سلامة الملاحة وتسهيل حركة السفن والبحارة العالقين. كما أن الهدف منه كان معالجة وضع طارئ يهدد حركة التجارة العالمية، وليس إعادة رسم ترتيبات إدارة المضيق أو تغيير وضعه القانوني.
وعلى الرغم من الاعتراضات التي صدرت من بعض الجهات الإيرانية، فإنها لا تغير من حقيقة أن السلطنة تصرفت وفق نهجها المعروف القائم على احترام القانون الدولي والتعاون مع المنظمات الدولية المختصة، مع الحرص في الوقت نفسه على استمرار التواصل والتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها شريكًا أساسيًا في أمن واستقرار المضيق. فالجغرافيا والقانون الدولي يجعلان من سلطنة عُمان وإيران الطرفين الرئيسيين المعنيين بإدارة هذا الممر الحيوي، ولا يمكن لأي ترتيبات مستقبلية أن تنجح أو تستمر من دون تعاون وتفاهم بينهما.
ومن هذا المنطلق، فإن المبادرة العُمانية لم تكن موجهة ضد أي طرف؛ بل جاءت استجابة مسؤولة لأزمة استثنائية، وهدفت إلى حماية الأرواح وضمان سلامة الملاحة والحفاظ على انسياب التجارة العالمية، وهي أهداف تنسجم تمامًا مع السياسة العُمانية القائمة على الحوار والتعاون واحترام القانون الدولي.
وإذا كان من حق دول مجلس التعاون والولايات المتحدة التأكيد على مبدأ حرية الملاحة، فإن من حق المُراقِب أيضًا أن يتساءل عن دلالات تبني الموقف الأمريكي بالكامل في قضية ترتبط في المقام الأول بالدول المُطلة على المضيق؛ فالولايات المتحدة ليست دولة مُشاطِئة لهرمز، ولا تتحمل الأعباء اليومية المرتبطة بإدارته وتأمينه وحماية بيئته البحرية، بينما تقع هذه المسؤوليات بصورة مباشرة على عاتق سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارهما الدولتين اللتين تشرفان على ضفتي المضيق.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا التأييد جاء في وقت ما زالت فيه ذاكرة المنطقة تحتفظ بمواقف أمريكية أثارت الشكوك حول مدى استعداد واشنطن لتحمل مسؤولياتها تجاه حلفائها الخليجيين خلال الأزمات. فحين كانت دول الخليج تطالب بضمانات أمنية أكبر وحماية أكثر فعالية لممراتها البحرية ومنشآتها الحيوية، لم تكن الاستجابة الأمريكية دائمًا بالمستوى الذي توقعه البعض.
ولذلك قد يرى البعض مفارقة سياسية تتمثل في تبني رؤية قوة خارجية ليست طرفًا إقليميًا مباشرًا في إدارة المضيق، بينما تتحمل الدول الساحلية وحدها الكلفة الفعلية لأمن الملاحة وحماية البيئة البحرية والاستجابة لحالات الطوارئ والإنقاذ.
وإذا ما عبَّر البعض عن موقف سياسي رافض لفرض الرسوم أو الضرائب على المرور في المضيق، فإنه لا يمكن تفسيره على أنه نفي لحق سلطنة عُمان أو إيران في إدارة الجوانب التنظيمية للممر البحري؛ فالقانون الدولي لا يمنح هذا الحق لدول بعيدة عن المنطقة بقدر ما يُقِرُّه للدول الساحلية المعنية مباشرة بأمن المضيق وسلامته. ومن ثم فإنَّ تبنِّي الموقف الأمريكي في هذه القضية لا يُغيِّر من الواقع الجغرافي والقانوني الذي يجعل عُمان وإيران الطرفين الأساسيين في إدارة هذا الممر الحيوي والتعامل مع تحدياته اليومية.
وفي نهاية المطاف، فإن الدفاع عن حرية الملاحة لا ينبغي أن يكون على حساب العدالة في توزيع المسؤوليات؛ فالعالم كُله يستفيد من بقاء مضيق هرمز مفتوحًا وآمنًا، لكن كُلفة الحفاظ على هذا الوضع لا تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، بل تتحمل جانبًا كبيرًا منها الدول المُطلَّة عليه. ومن هنا تبرُز أهمية فتح نقاش دولي أكثر توازنًا حول كيفية تقاسم الأعباء المرتبطة بحماية أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، بما يضمن استمرار حرية الملاحة من جهة، والاعتراف بالدور والتكاليف التي تتحملها الدول الساحلية من جهة أخرى.
ولعل ما يميز الموقف العُماني أنه ظل ثابتًا لعقود طويلة في التمسك بالقانون الدولي وضمان حرية الملاحة لجميع الدول دون تمييز، مع التأكيد في الوقت نفسه على مسؤولية المجتمع الدولي في احترام حقوق الدول الساحلية ودورها المشروع في حماية هذا الممر الاستراتيجي. وبين حرية الملاحة وعدالة الأعباء، يبقى التحدي الحقيقي متمثلًا في إيجاد توازن يضمن مصالح العالم من جهة، وينصف الدول التي تتحمل مسؤولية حماية هذا الشريان الحيوي من جهة أخرى.
