محمد بن سلطان الساعدي
طالعنا الباحث العُماني في التاريخ البحري لسلطنة عُمان الشيخ حمود بن جويد الغيلاني، وهو أحد المؤرخين المتخصصين في التاريخ البحري العُماني، والذي له باع طويل وجهد ملموس في هذا المجال، والذين أبحروا في علوم التاريخ البحري لسلطنة عُمان طوال سنوات بعيدة.
وبفضل اجتهاداته تمكنا من الوصول إلى معلومات كانت غائبة أو مغيبة، أو لم تجد من يهتم بعملية التحري والبحث في التاريخ البحري، الذي يُعد بلا شك تاريخًا حافلًا بالمنجزات والأحداث. وتخوض هذه المقالة لجريدة الرؤية لنستذكر معًا شيئًا من تلك الحقبة الملاحية لرواد البحار الذين جابت سفنهم البحار والمحيطات. وما لفت انتباهي هو جهود الشيخ حمود الغيلاني وأسفاره بحثًا عن معلومة أو عن الأماكن التي ترك فيها النواخذة والتجار بصماتهم في المدن والموانئ التي ارتادوها، لتبقى شاهدة على ما خلفوه من أثر اقتصادي وتجاري وحضاري في تلك البلدان.
ومن بين المعلومات التي تستحق التوقف عندها ما يتعلق بالدور التجاري الذي لعبته ولاية صور خلال فترات ازدهار الملاحة العُمانية في المحيط الهندي وشرق أفريقيا وشبه القارة الهندية. فقد لم تكن صور مجرد ميناء تنطلق منه السفن، بل كانت مركزًا اقتصاديًا متكاملًا يرتبط بشبكة واسعة من العلاقات التجارية التي امتدت إلى موانئ عديدة، وأسهم أبناؤها من التجار والنواخذة في بناء منظومة تجارية عابرة للحدود.
وتشير المصادر التاريخية إلى وجود 13 مكتبًا للوساطة التجارية كانت تعمل لخدمة تجار ونواخذة ولاية صور في عدد من الموانئ الخارجية. وقد أدت هذه المكاتب دورًا مهمًا في تنظيم العمليات التجارية، واستقبال السفن، وإنجاز المعاملات، وتوفير المخازن والعمالة، إضافة إلى تسهيل عمليات البيع والشراء وتبادل البضائع بين الأسواق المختلفة. وكانت هذه المكاتب تمثل حلقة الوصل بين التاجر العُماني والأسواق التي يقصدها، الأمر الذي ساعد على ترسيخ الحضور التجاري العُماني في تلك المناطق.
وذكر الغيلاني أن المرحوم الشيخ حمد بن خلفان البلال المخيني كان من ضمن الذين يمتلكون. مكتب في الهند، وأن النشاط التجاري العُماني في تلك المرحلة لم يكن قائمًا على المبادرات الفردية فحسب، بل اعتمد على شبكة من العلاقات الاقتصادية والتنظيمية التي أسهمت في استدامة حركة التجارة البحرية، وهو ما يفسر قدرة السفن العُمانية على المحافظة على خطوطها التجارية لعقود طويلة رغم التحديات الطبيعية والسياسية التي كانت تشهدها المنطقة.
وقد ارتبطت أسماء العديد من نواخذة صور وتجارها بموانئ شهيرة في شرق أفريقيا والهند والخليج العربي؛ حيث نقلوا التمور واللبان والمنتجات العُمانية، وعادوا محملين بالأخشاب والتوابل والأقمشة وغيرها من السلع التي كانت تشكل جزءًا من النشاط الاقتصادي في عُمان. وأسهم هذا الحراك التجاري في تعزيز مكانة صور بوصفها إحدى أهم المدن البحرية في المنطقة.
إن الحديث عن تلك المكاتب التجارية لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يكشف جانبًا من التنظيم الإداري والقدرة على إدارة المصالح التجارية عبر مسافات طويلة في زمن كانت فيه وسائل الاتصال محدودة. وهو ما يعكس الخبرة المتراكمة التي اكتسبها التاجر والنوخذة العُماني عبر قرون من الإبحار والتعامل مع مختلف الشعوب والثقافات.
وتبقى هذه الشواهد التاريخية دليلًا على أن ولاية صور لم تكن مجرد محطة بحرية عابرة، بل كانت مركزًا فاعلًا في حركة التجارة الدولية، وأن أبناءها من التجار والنواخذة أسهموا في صناعة صفحات مهمة من التاريخ البحري العُماني، وهي صفحات ما زالت بحاجة إلى المزيد من البحث والتوثيق لإبراز حجم الدور الذي أداه العُمانيون.
