فحص ما قبل الزواج.. وقاية للأجيال

 

 

 

وفاء صالح **

wafalmujaini@gmail.com

 

بعد سنوات من التوعية، ومع استمرار معاناة أسر كثيرة مع أمراض الدم الوراثية، تدخل سلطنة عُمان مرحلة جديدة من الوقاية الصحية مع تطبيق إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج، في خطوة تهدف إلى تعزيز صحة الأسرة والحد من انتقال الأمراض الوراثية والمعدية إلى الأجيال القادمة.

في كل أسبوع، يتوجه أطفال مصابون بالثلاسيميا إلى المستشفيات لتلقي وحدات الدم التي تساعدهم على مواصلة حياتهم، بينما تعيش أسرهم رحلة طويلة من المواعيد الطبية والمتابعة والقلق بشأن المستقبل.

وخلف هذه المشاهد، يبرز سؤال ظل مطروحًا لسنوات: هل يمكن تقليل عدد الأطفال الذين يولدون بهذه الأمراض قبل أن تبدأ رحلة العلاج؟

هذا السؤال أصبح اليوم في قلب تحول صحي جديد في السلطنة، بعد دخول إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج حيز التنفيذ مطلع عام 2026، حيث لم يعد الفحص مجرد إجراء يسبق عقد القران، بل أصبح أداة وقائية تهدف إلى نقل التعامل مع المرض من غرف العلاج إلى مرحلة المعرفة المبكرة.

 

من التوعية إلى الإلزام

لم يكن الفحص قبل الزواج جديدًا على المجتمع العُماني، فقد قدمته المؤسسات الصحية لسنوات ضمن جهود الوقاية والكشف المبكر، إلا أن الإقبال بقي أقل من الطموحات، إذ بلغت نسبة الفحص نحو 42% خلال عام 2024، وفق بيانات وزارة الصحة.

وكان أحد أبرز التحديات أن كثيرًا من حاملي الجينات الوراثية لا تظهر عليهم أعراض صحية، ما يجعل اكتشاف احتمالية انتقال المرض أمرًا صعبًا دون فحص متخصص.

ومع دخول المرسوم السلطاني رقم 111/2025 حيز التنفيذ، أصبح الحصول على شهادة الفحص الطبي شرطًا أساسيًا لإتمام عقد الزواج، بهدف تمكين المقبلين عليه من معرفة وضعهم الصحي والوراثي واتخاذ قراراتهم على أساس الوعي والمعرفة، وليس بهدف منع الزواج.

 

لماذا التركيز على أمراض الدم الوراثية؟

تأتي الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي في مقدمة أمراض الدم الوراثية التي تمثل تحديًا صحيًا، لما تتطلبه من متابعة طويلة تشمل نقل الدم والعلاجات المصاحبة والرعاية الطبية المستمرة.

وتكمن خطورتها في أن الشخص قد يحمل الجين الوراثي ويبدو سليمًا تمامًا، بينما ترتفع احتمالية إنجاب طفل مصاب عندما يكون الطرفان حاملين للجين نفسه.

ويؤكد طبيب اختصاصي أول أمراض الدم د. مصلح بن محمد بن سعيد المصلحي أن الفحص يمنح الأسر فرصة لمعرفة المخاطر قبل تكوين الأسرة.

ويقول: "كثير من حاملي الجينات يعيشون حياة طبيعية تمامًا، ولذلك يمثل الفحص قبل الزواج فرصة مهمة لمعرفة المخاطر الوراثية قبل تكوين الأسرة. المعرفة المبكرة لا تمنع الزواج، لكنها تمنح الأسرة فرصة لاتخاذ قرار مستنير".

 

خلف كل حالة.. أسرة كاملة

لا تختصر أمراض الدم الوراثية في ملف طبي فقط؛ فخلف كل حالة أسرة تعيد ترتيب حياتها وفق مواعيد العلاج والمتابعة.

ويقول ولي أمر لطفل مصاب بالثلاسيميا: "نحن لا نعيش مع المرض في أيام العلاج فقط، بل في كل يوم. مواعيد المستشفى جزء من حياتنا، والخوف على مستقبل الطفل لا يغيب".

 

الجمعية العُمانية لأمراض الدم الوراثية.. شاهدة على التحول

على مدى السنوات الماضية، كانت الجمعية العُمانية لأمراض الدم الوراثية قريبة من واقع المرضى وأسرهم، من خلال برامج التوعية والدعم المجتمعي، ومتابعة التحديات الصحية والنفسية والاجتماعية المرتبطة بهذه الأمراض.

وبحكم احتكاكها المباشر بالحالات، رصدت الجمعية تغيرًا تدريجيًا في نظرة المجتمع إلى الفحص قبل الزواج؛ إذ انتقل لدى شريحة متزايدة من الشباب من كونه إجراءً اختياريًا إلى خطوة أساسية ضمن التخطيط الواعي لتكوين الأسرة.

وتوضح نائبة رئيس مجلس إدارة الجمعية د. هناء السمري أن أهمية الفحص لا ترتبط فقط باكتشاف الحالات، بل بمنح الأسر المعرفة التي تساعدها على اتخاذ قراراتها بوعي.

وتقول: "عندما نتحدث عن الفحص قبل الزواج، فإننا نتحدث عن حماية أسر ومستقبل أطفال. قرار الإلزامية يمثل خطوة مهمة، لكن نجاحه الحقيقي يعتمد على استمرار التوعية وتوفير الاستشارات الوراثية وتمكين الشباب من فهم نتائج الفحص واتخاذ قراراتهم على أساس المعرفة".

 

أثر يحتاج إلى سنوات

رغم أهمية القرار، فإن قياس أثره الحقيقي سيحتاج إلى سنوات، فالأطفال الذين سيولدون بعد تطبيق الإلزامية سيكونون المؤشر الأوضح على نجاح البرنامج مستقبلًا.

لكن التحول الأهم بدأ بالفعل؛ إذ أصبحت الصحة الوراثية جزءًا من النقاش الطبيعي قبل الزواج، وانتقل الفحص من كونه خيارًا فرديًا إلى خطوة مرتبطة بالتخطيط الواعي للحياة الأسرية.

وفي الرعاية الصحية، تبقى الوقاية أكثر إنسانية من العلاج؛ فالفحص الذي يستغرق وقتًا محدودًا قد يمنح أسرة كاملة فرصة لمعرفة خياراتها قبل أن تبدأ رحلة طويلة من المعاناة.

ومن غرف نقل الدم إلى قاعات عقد القران، تحاول عُمان اليوم أن تنقل مواجهة أمراض الدم الوراثية إلى نقطة أبكر؛ إلى اللحظة التي يمكن فيها للمعرفة أن تسبق المعاناة.

 

** الجمعية العمانية لأمراض الدم الوراثية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z