لين (2)

 

 

فاطمة الحارثي

تبًا لقلب لم يرَ فيَّ سوى خسة المتاجرة.

غزت الحيرة أم لين، وأرسلت بعينيها السؤال مباشرة إلى ابنتها. تقدمت "لين" بعد أن وضعت سماعة الهاتف مكانها، وهي تقول لأمها: "فاطمة أتت تخبرني عن الواجب، طلبت منها..."، وقبل أن أستوعب قولها، رن الهاتف من جديد، ورجعت بضع خطوات لترد عليه، ووجهها الشاحب ونظراتها القلقة لا تفارق وجهي، ثم قالت: "فاطمة، عمتك على الهاتف". توجهت نحو الهاتف، وسمعت صوت عمتي القلق، قلت لها: "أنا بخير، الحين برد البيت"، وسألت عن الواقعة، قلت لها: "بخبرك من أوصل"، وعندها سمعت أصواتًا تُظهر وجود طرف ثالث في الهاتف، وأنا أرفع رأسي أثناء إغلاق الهاتف، لمحت والد "لين" ينظر إلى ابنته، وفي عينيه بعض الغضب.

طلبت مني أم لين أن أبقى لبعض الوقت، لكنني تعذرت بعمتي، فهي ضيفة وستغادر إلى مسقط بعد يومين، وأريد أن أكون معها. فسألتني إذا كنت قد أعلمت "لين" عن الواجب، فتداركت "لين" وأجابت عني، لعلمها بأنني لن أكذب، وقالت لأمها: "نعم". وهممتُ بالخروج، وأوقفتني أم لين مرة أخرى، وقالت سوف تُحضر لي البسبوسة وستخبر "لين" لآتي. ابتسمت لها بهدوء وقلت لها: "شكرًا خالة.. أكيد". وخرجت.

وكان أبو لين ما زال ممسكًا بباب المنزل، ووجهه صاخب بالكثير من المشاعر، فاستأذنته لأخرج، ولمحت ظلًا في ممر الغرف، فابتسم لي ابتسامة المُحرَج، وتنحّى لأخرج. وأنا في طريقي للبوابة الخارجية، التفتُ إلى نوافذ منزلي ولمحتُ عمتي تراقب، وشعرتُ بأمر غريب، فأعدتُ نظري للخلف لأجد جارتنا، التي تقطن خلف منزل لين مع أخيها، على الشرفة ينظرون إليّ، وبمجرد أن وطأت قدمي خارج البوابة الخارجية، ورغم قصر المسافة، إلّا أنني جريت إلى المنزل بكل قوتي. كنت متطأطئة الرأس، وما أن رفعت رأسي حتى لمحت سيارة كاملة السواد تمر بهدوء مُريب على الشارع المحاذي للمنزلين.

دخلت المنزل من الباب الجانبي، وتوجهت مُسرعة نحو نافذة غرفتي المطلة على الشارع، أراقب تلك السيارة، ورغم أنه لا توجد محال تجارية في الرصيف المقابل لشارعنا غير مركز لتوزيع مياه الشرب، إلّا أنني رأيتها تقف في الرصيف المقابل للشارع قبالة منزل "لين". أتت عمتي إليّ تسألني ماذا الذي يحصل؟ فأشرت لها أن تتقدم وتنظر إلى السيارة السوداء.

الأحداث كانت سريعة ومربكة جدًا. جلستُ على سريري، أحاولُ أن أفهم، خاصة بعد إرهاق المشاعر التي توالت عليّ بقوة. وأنا ألتقط أنفاسي، بدأت عمتي بالحديث، وكان من قلقها قد تحدثت إلى جارتنا القاطنة خلف منزل "لين"، وأخبرتني أنها أنَّبتها بشدة؛ إذ سمحت لي أن أذهب إلى منزل لين، فأخيها قد رأى من شرفة غرفته المطلة على المنزلين دخول وخروج أشخاص من إحدى نوافذ غرفة منزل "لين"، وفي العادة يكون دخولهم الساعة الثانية ليلًا ويغادرون الخامسة صباحًا.

نظرتُ إلى عمتي في رُعب، قلتُ لها: ربما صديق أخيها. قالت: الرؤية غير واضحة تمامًا لهم، وهو دائمًا مُلثَّم، ومع ظُلمة الليل لا يستطيع أن يجزم، وأيضًا لا يعلم عن غرف ذلك المنزل، وبالتالي لن يعرف الغرفة المقصودة.

طلبتُ منها أن تسأل عن منزلنا إذا كان هناك من يتربص أو يراقب، وأنا أتذكَّر العيون الحمراء التي ظهرت لي من نافذة الصالة بالطابق الأرضي، مُنذ بضعة أشهر في إحدى السهرات على أشرطة الفيديو، والتي بعدها قُمتُ بإحكام جميع النوافذ بالمسامير؛ مما أدى إلى غضب والدي، ونهرني واستبدل المسامير بقطع خشبية يسهل بها فتح النوافذ بمجرد إخراج القطع. رغم أنني أخبرت والدي عن تلك العيون المخيفة، إلّا أنه وابنة خالتي التي كانت في زيارة، سخرا مني ونعتاني بـ"الخوّافة". وصادفت ابنة خالتي "نفس العيون" بعدها ببضعة أيام، ولم تحتمل الرعب الذي انتابها، وصرخت وبكت بجنون وهي تصعد لغرفة النوم، ولم تكن تنام ليلًا إلى أن غادرت منزلنا بعد بضعة أيام وهي في شدة الرعب، وأنا أضحك عليها: "مَنْ الخوَّاف والجبان الآن؟!".

نزلتُ مُسرعة لأتفقد وضعية قطع الخشب، وأحكمتُ إغلاق ستائر جميع النوافذ. كل ما أردتُه في تلك اللحظة التركيز وترتيب أفكاري، فرغم صغر سني كانت من مسؤولياتي المنزل وإخوتي؛ إذ إن أمي كانت في مسقط منذ شهور، ولا أعلم متى ستعود، ووالدي يعمل بالمناوبات يومين في المنزل ويومين في العمل، وعاملة المنزل لا يُتوقع منها شيء.

سألتني عمتي عمَّا دار في منزل "لين"، ولماذا كان هاتفها مشغولًا طوال الوقت. أخبرتها أن هاتفها لم يكن يتوقف عن الرنين، ولم يكن هناك أحد، فكما رأيتِ من النافذة، بمجرد دخولي بوقت قصير وصل والداها وخرجت. لم أخبرها عن كذبة "لين" ولا الرجل من الهاتف، كانت ستغادر قريبًا، ولم أجد في الأمر طائلة من إقلاقها.

حاولت عمتي التواصل مع ابنة الجار الخلفي لتسألها إذا كان هناك من يتردد على باحة منزلنا ليلًا، لكن للأسف ردوا عليها أنها غادرت منذ قليل وستعود متأخرة.

وفي المساء، حوالي الساعة الرابعة عصرًا، رن جرس الهاتف، رفعت عمتي السماعة وأتاها صوت رجل يطلبني بالاسم!

... يتبع.

الأكثر قراءة

z