فخرية بنت محمد القصابية
في ظل ما يشهده العالم اليوم من تطور متسارع في شتى مجالات الحياة، وما يعتريه من صراعات وأحداث متغيرة وما ينجم عنها من تحديات، أصبح لزامًا علينا أن نقف عند مفهومين جوهريين لا غنى عنهما لسلامة المجتمع وبقائه، وهما: الهوية والمواطنة؛ كونهما وجهين لعملة واحدة، يمثلان ثقافة الفرد، وفكره، وقيمه، وانتماءه، واعتزازه بوطنه. وحتى نقترب أكثر من هذين المصطلحين، لا بد أن تتضح الصورة وتترسخ أبعادها، لا سيما لدى النشء والأجيال الصاعدة.
إن الهوية منظومة متكاملة تنبض بالحياة، تسهم بفاعلية في بناء مجتمع متماسك يعتز بذاته ويصون ملامحه؛ فلكل مجتمع هويته التي تميزه عن غيره وتشخص خصوصيته الثقافية وبيئته الاجتماعية، لتغدو مرآةً تعكس روحه وتفرده. كما أن الهوية لا تعني الانغلاق أو التعصب، بل هي انفتاح واعٍ على الآخر، يحفظ الأصالة ويستوعب التنوع في آن واحد.
أما المواطنة، المشتقة من الوطن، فهي مسؤولية ذاتية يلتزم بها الإنسان، تعكس احترامه للأنظمة والقوانين، وتترجم رغبته الحقيقية في خدمة مجتمعه وتنميته بالمبادرات المثمرة والعمل المخلص. فمتى ما تلاحمت الهوية السليمة مع المواطنة الفاعلة، تخرَّج لنا فردٌ متوازن، يملك دافع العطاء والبناء، ومستمسك بجذوره بكل فخر دون ذوبان في ثقافات الآخرين.
ومما لا شك فيه أننا نعيش عصر الانفتاح الواسع جراء العولمة والتقدم التكنولوجي المتسارع، الأمر الذي يجعل الهوية معرضة للتأثر بالثقافات الوافدة، وهو ما قد يضعف جذور المواطنة إن لم يُجابه بالوعي. ومن هنا، برزت الضرورة الملحة لتحقيق التوازن بين الانفتاح الذكي والحفاظ على الهوية الوطنية، إذ يعد ذلك الركيزة الأساسية في بناء جيل الحاضر وقادة المستقبل.
وحتى يتحقق هذا التوازن المنشود، لا بد للأسرة والمؤسسات التعليمية بمناهجها وأنشطتها أن تضطلع بدور محوري؛ إذ تقوم وظيفتها على ترسيخ هذه المفاهيم عبر تربية سليمة قائمة على حب الوطن، وخدمته، واحترام مكوناته المادية والمعنوية، إلى جانب صون ثقافته، وتاريخه، وعاداته، وقيمه. فإذا ما تحقق ذلك، غدا المجتمع بنيانًا مرصوصًا، يدرك أفراده جذورهم الضاربة في عمق التاريخ، ويمارسون وطنيتهم بكل ثقة واقتدار رفعةً لمجتمعهم وتطوره.
وإذا ما أمعنا وُجِّهَنا شطر المناهج العُمانية وارتباطها بالهوية والمواطنة، نجد أن المنهج العُماني يقوم أساسًا على رؤية تربوية متكاملة تُعلي من شأن الإنسان: بناءً، وفكرًا، وسلوكًا. وتستمد هذه المناهج مرتكزاتها من قيم الهوية الوطنية والمواطنة المسؤولة ومتطلبات العصر، في انسجام وثيق مع تطلعات رؤية "عُمان 2040".
وتبرز المشاريع الطلابية كإحدى الأدوات الفاعلة في المنهج المدرسي، التي تُعنى بترجمة المعارف النظرية إلى ممارسات حيَّة على أرض الواقع. إذ تتدرج هذه المشاريع في عمقها ومضمونها؛ فتبدأ بطابع استكشافي بسيط يوقظ الشغف المعرفي ويغرس بذور التساؤل والبحث، لتتسع آفاقها بعد ذلك وتغدو ميدانًا للتقصي المنظم الذي يعزز التفكير الناقد ويرسخ العمل التعاوني، وصولًا إلى ذروة نضجها كمنصات للإبداع والابتكار تصقل مهارات البحث العلمي، وتؤهل الطلبة لمواجهة تحديات الواقع عبر صناعة حلول مستدامة.
إن المشاريع الطلابية تجسد ترجمة صادقة لما تنادي به رؤية "عُمان 2040"؛ إذ تعزز وعيًا فاعلًا، وتغرس في النفوس روح الابتكار والمسؤولية، وتنمي مهارات التفكير والعمل بروح الفريق الواحد، لتغدو لبنات راسخة في بناء وطن مستدام يسير بخطى واثقة نحو آفاق التقدم والازدهار.
ومن النماذج المضيئة للمشاريع الطلابية التي عكست هذه النظرة التربوية المنسجمة مع طموحات السلطنة، مشروع (الحارات القديمة.. إرث مستدام). ويعد هذا المشروع من المبادرات الريادية التي تبنتها محافظة الداخلية في إطار مشروع (من أجل الوطن.. تفاعل إيجابي وشعور بالمسؤولية)، حيث شكَّلت من خلاله فريقًا يؤمن بأن العمل الميداني والتجربة الواقعية ينميان روح المسؤولية والاعتماد على النفس، مما يرسخ مفهوم المسؤولية المشتركة تجاه المجتمع.
وقد شكَّل المشروع مساحة تعليمية ثرية يتدرب فيها الطالب على مبادئ التخطيط واتخاذ القرارات؛ حيث اتُّخذت (حارتا العين والسواد) بقرية إمطي التابعة لولاية إزكي أنموذجًا حيًا لهذه المشاريع. وكان هذا الاختيار بمثابة شرارة الانطلاق والنور الذي أبصرته الحارة، إذ شهدت حراكًا كبيرًا ومباركًا من أهالي القرية والمؤسسات الداعمة لترميمها وتأهيلها، وتحويلها إلى مزار سياحي وثقافي رفد الاقتصاد المحلي، وعرَّف الأجيال الجديدة بتاريخهم وهويتهم ليربط ماضيهم بحاضرهم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل احتضنت الحارة مشاريع لريادة الأعمال جمعت بين الأصالة والمعاصرة؛ فهي لم تعد وسيلة تعليم فحسب، بل فرصة اقتصادية واعدة تُعِد الطلبة ليكونوا عناصر منتجة ومبدعة، ومنصة لاكتشاف المواهب وصقل القدرات.
إن الحارات القديمة ليست مجرد شواهد من الماضي، بل هي ركيزة أساسية لبناء الهوية وتعميق المواطنة. وخلاصة القول: إن مثل هذه المشاريع الوطنية الواعدة، متى ما وجدت الحواضن التي تؤمن بها وبتأثيرها، ستغدو بلا شك معينًا لا ينضب، ورافدًا ممتدًا لبناء الوطن رفعةً ونماءً.
** معلمة جغرافيا بمدرسة عائشة أم المؤمنين (10-12)
المديرية العامة للتعليم بمحافظة الداخلية
بإشراف دائرة المواطنة - وزارة التعليم
