أنور الخنجري
في عام 1507 صعد قبطان برتغالي على سفينة هندية في مضيق هرمز وطالبها بورقة واحدة اسمها "الكارتاز". وفي عام 2026، لا أحد يطلب أوراقًا، لكن كلمة "إغلاق" وحدها كافية لإرباك أسواق النفط العالمية. بين "الكارتاز" البرتغالي وتهديدات الإغلاق المعاصرة، يمتد تاريخ طويل من الصراع على التحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم - مضيق هرمز.
لكن البرتغاليين لم يبتكروا فكرة "الكارتاز" من العدم، بل ورثوا نظامًا قائمًا وطوروه إلى نموذج أكثر مركزية وعسكرة. قبلها كانت "مملكة هرمز" تفرض مكوسًا على عبور المضيق. كل سفينة تعبر وتدخل مياه الخليج مُلزمة بالتوقف في أحد موانئها، سواء في جزيرة هرمز نفسها أو في جزر أخرى خاضعة لسلطتها، لتسجيل حمولتها ودفع الرسوم المفروضة عليها.
خلال فترة السيطرة البرتغالية على هرمز في القرن السادس عشر وحتى سقوطها عام 1622، فرضت البرتغال على السفن العابرة نظام "الكارتاز (Cartaz)"، وهو تصريح بحري إجباري مدفوع الثمن يحدد مسار السفينة ونوع بضاعتها وميناء الوصول، وأي مخالفة تعني المصادرة الفورية مع فرض عقوبات صارمة. هدف البرتغال كان واضحًا: كسر احتكار العرب والهنود لتجارة التوابل والحرير ونقل الأرباح إلى لشبونة.
وعندما انتهى الوجود البرتغالي في هرمز عام 1622، لم تنتهِ فكرة التحكم في التجارة والجباية، بل انتقلت إلى السلطة الجديدة التي برزت في المنطقة، وهي الدولة الصفوية. الشاه عباس الأول -الذي سميت مدينة بندر عباس تيمنًا باسمه- نقل مركز الثقل التجاري والجمركي من جزيرة "هرمز" إلى البر الرئيسي في "بندر عباس" المطلة على المضيق. وبموجب الاتفاقية العسكرية والتجارية مع البريطانيين، تم تقاسم عوائد الجباية المفروضة على السلع والسفن القادمة والمغادرة عبر المضيق بين البلدين بنسبة 50%.
ومع تراجع النفوذ الصفوي وتبدل موازين القوى في الخليج، برز العُمانيون والقواسم بوصفهم الفاعلين البحريين الأهم في المنطقة. سيطر العُمانيون على المنطقة لكنهم لم يفرضوا رسوم عبور المضيق، وإنما أخذوا مكوس الموانئ، في حين كان للقواسم موقف خاص. سيطروا على المضيق عمليًا 1700-1820، وفرضوا "رسوم حماية" على السفن مقابل المرور الآمن. لم يعجب ذلك بريطانيا، وبالتالي سمتهم بـ"القراصنة" وشنت ضدهم حملة عام 1820 التي دمرت على إثرها أسطولهم، وبهذه الحملة انتهت أي محاولة عربية أو إسلامية لفرض جباية على المضيق.
ومع دخول القرن التاسع عشر وبروز النظام الدولي الحديث، بدأ التعامل مع المضايق البحرية الطبيعية ينتقل تدريجيًا من منطق السيطرة العسكرية والجباية المباشرة إلى منطق الاتفاقيات الدولية وتنظيم الملاحة. وعلى إثر ذلك أبرمت اتفاقيات مع دول مطلة على مضائق طبيعية مثل "البوسفور" و"الدردنيل"، حيث تفرض تركيا رسومًا تعرف بـ"رسوم المنارات والإنقاذ والخدمات الطبية" على جميع السفن التجارية العابرة، وذلك بموجب اتفاقية مونترو لعام 1936. كما فرضت الدنمارك في مضيق "أوريسند" ما عُرف بـ"رسوم الصوت" من عام 1429 إلى عام 1857 على جميع السفن الأجنبية التي تدخل أو تخرج من بحر البلطيق، وتم إلغاء هذه الرسوم بموجب معاهدة كوبنهاغن بعد دفع الدول الأوروبية تعويضًا ماليًا للدنمارك لمرة واحدة بضغط من بريطانيا وأمريكا.
اليوم، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار صنفت هرمز "مضيقًا طبيعيًا للملاحة الدولية". وبما أن عرض المضيق 24 ميلًا بحريًا فقط، ولكل دولة 12 ميلًا من المياه الإقليمية، فإن المياه الإقليمية بين الدولتين متداخلة. الحل كان في تحديد "ممر عبور ترانزيت" بعرض 6 أميال بحرية، 3 أميال من جهة عُمان و3 من جهة إيران. وعبر هذا الممر الضيق الذي عرضه ستة أميال بحرية فقط، يمر 20% من نفط العالم وثلث كمية الغاز المسال، وآلاف السفن التجارية الأخرى.
لكن النصوص القانونية لم تُنهِ تمامًا الجدل حول هرمز، إذ بقي الخلاف قائمًا حول كيفية تفسير حقوق العبور وحدود السيادة الوطنية، وهو ما يظهر بوضوح في التوترات الحالية. ومن زاوية تاريخية، يمكن ملاحظة تشابه في بعض أنماط الصراع بين ما جرى في هرمز عام 1507 وما يجري اليوم، حيث تتمحور المنافسة حول حرية الملاحة من جهة والسيطرة على الممر البحري من جهة أخرى.
أمريكا اليوم تمتلك أسطولًا قويًا يفرض قواعد اللعبة في المنطقة، في حين تلعب إيران دور مملكة هرمز، تستخدم الموقع الجغرافي كورقة ضغط وتقول: "بدون موافقتي لا مرور آمن". الفرق أن "الكارتاز" صار "استيلاء على ناقلة"، و"المدفع" صار "زورقًا سريعًا أو صاروخًا أو مسيرة". والنتيجة واحدة: العالم كله يدفع الثمن.
من "الكارتاز" البرتغالي في القرن السادس عشر إلى تهديدات الإغلاق في القرن الحادي والعشرين، ظل مضيق هرمز ساحة يتقاطع فيها الموقع الجغرافي مع التجارة والقوة والسيادة. تغيرت الأدوات وتبدلت القوى المسيطرة، لكن السؤال بقي نفسه: من يملك حق تنظيم المرور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟ ويبدو أن التاريخ يكرر إجابته القديمة؛ فكلما حاول طرف تحويل المضيق إلى أداة ضغط أو نفوذ، دفع العالم بأسره كلفة ذلك. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي ليس في السيطرة على هرمز، بل في بناء توازن يضمن حرية الملاحة ويحترم في الوقت نفسه مصالح الدول المطلة عليه. فالممر الذي يطعم العالم، يجب أن يكون للعالم، لا ساحة لصراع القوى وبسط النفوذ والهيمنة على المنطقة ومواردها.
