المقاومة وعاشوراء.. امتداد لثقافة التضحية ورفض الإملاءات

 

 

كمال بن حسن بن علي اللواتي

أعاد المقال الذي سطره الأستاذ زاهر المحروقي يوم 1 يونيو الجاري في جريدة "عُمان" تحت عنوان "أصحاب الأخدود بين التاريخ والواقع المعاصر" تحريك العواطف، وإحياء روح التضحية في النفوس، لتندمج وتتكامل مع مواقف حركات المقاومة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي لا تزال تقدم التضحيات الجسيمة نيابة عن الأمتين العربية والإسلامية.

ومع حلول شهر محرم الحرام وذكرى يوم عاشوراء، يصبح من الواجب والإنصاف المرور على قضية الإمام الحسين بن علي، الذي جاد بكل ما يملك هو وأهل بيته في سبيل الحفاظ على جوهر الإسلام وكرامة المسلمين.

إن بعض حركات المقاومة المعاصرة لا تزال تمثل امتدادًا حيًا لشعارات الإمام الحسين وإرثه الإنساني، فهو القائل في وجه الطغيان: "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسولُه".

لقد تحرك الإمام الحسين وهو يعلم تمامًا أن موازين القوى المادية والعسكرية ليست في صالحه، بل كانت تميل بوضوح لصالح معسكر يزيد بن معاوية، وأن النصر العسكري السريع بعيدٌ بمقاييس الحسابات الأرضية.

ومع ذلك، كان هدفه الأسمى هو إيقاظ الضمائر، وعمل صدمة في الأمة التي دخلت في مرحلة من الغيبوبة جعلها تقبل بواقع الذل والظلم.

لذا، كان لا بد أن تأتي التضحية بحجمٍ استثنائي يوازي مكانة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته، لتستعيد الأمة وعيها ويستمر المنهج الرسالي قائمًا.

واستكمالًا للرؤية التي طرحها الأستاذ المحروقي، يجدر بنا تناول حركات المقاومة المعاصرة من زوايا ومقاربات أخرى.

فقد ابتُليت هذه الحركات المضحية بسيل جارف من الاتهامات الممنهجة، فتارة تُوصم بالإرهاب، وتارة يُقال إنها تعمل خارج الأطر الشرعية والقانونية، وتارة أخرى تُتَّهم بأنها لا تجلب لأوطانها سوى الفوضى والدمار.

ولكن، إذا عقدنا مقارنة موضوعية وبسيطة بين هذه الحركات وبين بعض الأنظمة السياسية التي تحكم في فضاءات العالم العربي والإسلامي، بل وعلى مستوى العالم الأكبر، تتكشف لنا زيف هذه الاتهامات من خلال عدة حقائق:

أولًا: الرصيد الشعبي والجماهيري:

تمتلك حركات المقاومة حاضنةً شعبيةً واسعةً وعميقةَ الجذور، وهو رصيد تعجز عن تحصيله كثير من الأنظمة المستبدة، رغم البون الشاسع بين الإمكانات المادية البسيطة للمقاومة والثروات الهائلة التي تحتكرها تلك الحكومات.

ثانيًا: الشرعية الانتخابية:

إن العديد من هذه الحركات لم تفرض نفسها بقوة السلاح في الداخل، بل وصلت إلى مواقع التأثير والتمثيل من خلال صناديق الاقتراع، وحازت على ثقة شعوبها وجماهيرها بجدارة واستحقاق في انتخابات مشهود لها.

ثالثًا: نظافة اليد والزهد:

تعيش غالبية قيادات حركات المقاومة حياة متواضعة يغلب عليها الزهد والتقشف، ولم تتلوث أيديهم بملفات الفساد المالي أو سرقة مقدرات الشعوب، على النقيض تمامًا من سلوك قيادات وبطانات الكثير من الحكومات والأنظمة.

ختامًا، يمكن القول إن الفارق الجوهري يكمن في منظومة القيم، فبينما تتمتع قيادات حركات المقاومة بدرجة عالية من الصدق والإخلاص والجاهزية العالية للتضحية في سبيل مبادئ دينية وإنسانية متفق عليها، نجد أن معظم قيادات الأنظمة السياسية التقليدية غارقة في حسابات البقاء، ولا تفهم من العمل السياسي سوى تكديس الأموال بأساليب غير مشروعة، والحفاظ على كراسي الحكم بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب كرامة شعوبها وسيادة أوطانها.

وفي الختام.. ستظل الثورة الحسينية عبر تاريخها الممتد منارةً تعطي زخمًا لكل الثائرين والمقاومين، ممن يرون في الشهادة حياةً ما دامت في سبيل كرامة الإنسان، وفي سبيل تحرير أرض وعتق أمة من براثن الظلمة.

وستظل هذه الثورة بمنطلقاتها ومعطياتها امتدادًا للخط النبوي المحمدي، والذي عبر عنه خاتم الأنبياء في حديث صحيح رواه الفريقان: "حسينٌ مني وأنا من حسين".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z