محمد بن سالم البطاشي
أصبح من غير المقبول أن يستمر تصدير الثروات الطبيعية بشكلها الخام؛ لما في ذلك من استنزاف للثروات بثمن بخس، وهو ما يعد إجحافًا بحق الشعوب ومقدرات الأوطان. وبناءً على ذلك نبحر، في هذا المقال، في استكشاف كيف يمكن توليد الوظائف الجديدة وتوسيع سوق العمل والأعمال عن طريق توظيف المعارف في استغلال الفرص والثروات، وربط ذلك بالصناعة وتحويل المواد الخام إلى منتجات أولية أو نهائية.
ومن نافلة القول إنَّ الثروات الطبيعية تمثل أحد أهم المقومات التي تعتمد عليها الدول في بناء اقتصاداتها وتعزيز مكانتها التنموية، غير أن امتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يكفي لتحقيق الازدهار والتقدم؛ فالتجارب العالمية أثبتت أن القيمة الحقيقية للموارد لا تكمن في وجودها فحسب، بل في القدرة على استغلالها بكفاءة من خلال المعرفة والبحث العلمي والابتكار. لذلك أصبحت العلاقة بين الثروات الطبيعية والبحث العلمي والتصنيع علاقة تكاملية؛ حيث يسهم العلم في تحويل الموارد الخام إلى منتجات وصناعات ذات قيمة مضافة وابتكارات جديدة، مما يؤدي إلى إيجاد فرص عمل جديدة، وتوطين المعرفة محليًا، وإضفاء قيمة مضافة على الخامات المحلية، ودعم مسارات التنمية المستدامة. ويُعد البحث العلمي الأداة الأساسية لفهم خصائص الموارد الطبيعية وتحديد أفضل السبل لاستثمارها؛ فمن خلال الدراسات الجيولوجية والبيئية والهندسية يمكن اكتشاف مواقع الثروات الطبيعية وتقدير احتياطياتها وجودتها، وتطوير تقنيات حديثة لاستخراجها ومعالجتها وتصنيعها كليًا أو جزئيًا بأقل التكاليف وأعلى درجات الكفاءة، كما يساعد البحث العلمي على الحد من الهدر وتحسين الإنتاجية وتدوير المخلفات، وبالتالي تقليل الآثار البيئية السلبية التي قد تنجم عن عمليات الاستغلال غير المدروسة.
وتبرز أهمية المعرفة بشكل واضح في القطاعات المرتبطة بالمعادن والنفط والغاز والثروة السمكية والزراعة والطاقة المتجددة، فبدلًا من تصدير المواد الخام بصورتها الأولية، يمكن للدول التي تمتلك قاعدة علمية قوية أن تطور صناعات تحويلية تعتمد على تلك الموارد، مما يرفع من قيمتها الاقتصادية ويزيد من مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي؛ فعلى سبيل المثال يمكن تحويل المعادن إلى منتجات صناعية متقدمة عالية القيمة، كما يمكن الاستفادة من النفط والغاز في الصناعات البتروكيماوية وغيرها من الصناعات التي أفرزتها البحوث العلمية الحديثة، بينما تسهم الأبحاث الزراعية في تحسين جودة الإنتاج الغذائي وزيادة كفاءته، وينطبق ذلك أيضًا على القطاع السمكي.
ومن أبرز النتائج التي تترتب على توظيف المعرفة والبحث العلمي في استغلال الثروات الطبيعية توليد وظائف جديدة ومتنوعة؛ حيث إن الصناعات القائمة على المعرفة تحتاج إلى مهندسين وباحثين وفنيين ومتخصصين في التكنولوجيا وإدارة المشاريع والبيئة والجودة، الأمر الذي يوسع سوق العمل ويوفر فرصًا وظيفية للشباب، كما أن إنشاء مراكز البحث والتطوير والمختبرات المتخصصة والحاضنات التقنية يعزز من إيجاد وظائف مباشرة وغير مباشرة تسهم في تنشيط الاقتصاد الوطني وتقليل معدلات الباحثين عن عمل.
ولا يقتصر أثر البحث العلمي على توفير الوظائف التقليدية، بل يمتد إلى تشجيع ريادة الأعمال والابتكار؛ فالمعرفة العلمية تتيح للشباب تأسيس شركات ناشئة تقدم أفكارًا غير تقليدية وتقديم منتجات وخدمات جديدة وحلولًا وتقنيات مرتبطة باستغلال الموارد الطبيعية وإدارتها، مثل تقنيات الطاقة النظيفة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة إدارة المياه، والحلول البيئية الحديثة، والمشاريع الزراعية الحديثة والاستزراع السمكي، بالإضافة إلى مشروعات تخدم العلوم الحديثة المعتمدة على التكنولوجيا المتقدمة، والتقنيات الحيوية، والطاقة المستدامة، والتحول الرقمي. وتؤدي هذه المشروعات إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المستقبلية.
ويسهم الاستثمار في البحث العلمي في توطين المعرفة محليًا وتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية؛ حيث إن الدول التي تعتمد بشكل كامل على التكنولوجيا المستوردة تظل مرتبطة بالخارج من حيث المعرفة والخبرة الفنية، بينما يساعد بناء القدرات الوطنية على امتلاك التكنولوجيا وتطويرها بما يتناسب مع الاحتياجات المحلية، ويتحقق ذلك من خلال دعم الجامعات ومراكز البحث العلمي، وتطوير البرامج الأكاديمية ونقل الخبرات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والقطاعين الحكومي والخاص وفقًا لمبدأ التدريب على رأس العمل.
ويُعد توطين المعرفة أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق السيادة الاقتصادية والعلمية، فعندما يمتلك الباحثون والمهندسون المحليون الخبرات اللازمة لتطوير التقنيات وإدارة المشاريع، تصبح الدولة أكثر قدرة على الاستفادة من مواردها الطبيعية بصورة مستقلة ومستدامة، كما يسهم ذلك في نقل الخبرات بين الأجيال وتكوين قاعدة وطنية من الكفاءات المؤهلة القادرة على قيادة التنمية في المستقبل.
ومن جانب آخر، يرتبط البحث العلمي ارتباطًا وثيقًا بمفهوم التنمية المستدامة، الذي يقوم على تلبية احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. فاستغلال الموارد الطبيعية بطريقة عشوائية قد يؤدي إلى استنزافها أو إلحاق أضرار جسيمة بالبيئة، في حين يوفر البحث العلمي حلولًا مبتكرة تضمن الاستخدام الرشيد لهذه الموارد، وتشمل هذه الحلول تطوير تقنيات إعادة التدوير، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، والحد من الانبعاثات والتلوث البيئي، ولا يزال البحث العلمي يتحفنا كل حين باستخدامات جديدة للمواد الخام، مما يعزز القيمة المضافة لها.
كما يساعد البحث العلمي في إيجاد توازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية؛ فمن الناحية الاقتصادية يرفع من الإنتاجية ويعزز التنافسية، وعلى الجانب الاجتماعي يوفر فرص العمل ويحسن مستويات المعيشة، ومن الناحية البيئية يسهم في حماية الموارد الطبيعية والحفاظ على التنوع الحيوي. وبذلك يصبح البحث العلمي ركيزة أساسية لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة تعود بالنفع على المجتمع بأكمله.
وفي سلطنة عُمان، على سبيل المثال، تمثل الثروات الطبيعية المتنوعة من معادن ونفط وغاز وزراعة وثروة سمكية ومقومات سياحية متنوعة فرصًا واعدة لتعزيز الاقتصاد الوطني، ويمكن للبحث العلمي والابتكار والتفكير الخلاق القيام بدور محوري في تطوير أساليب استغلال هذه الموارد، وزيادة قيمتها المضافة، ودعم أهداف التنويع الاقتصادي الذي تسعى إليه البلاد، وتوفير فرص عمل نوعية للمواطنين، ومساندة المجتمعات المحلية والحد من الهجرة إلى الحواضر الرئيسة، عن طريق التركيز على تعزيز المحتوى المحلي للمشاريع، كما أن تعزيز الشراكة بين الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص يسهم في تحويل المعرفة إلى مشاريع إنتاجية تدعم النمو الاقتصادي المستدام.
وختامًا.. إنَّ التصنيع وامتلاك الخبرات والمعارف والبحث العلمي هي الركائز التي تمثل حجر الأساس في تحقيق الاستفادة المثلى من الثروات الطبيعية، وقاطرة للنمو الاقتصادي وتوليد فرصٍ جديدةٍ للعمل. فمن خلالهما يمكن تحويل الموارد إلى محركات للنمو الاقتصادي، وتوطين الخبرات والتقنيات، وتعزيز القدرة التنافسية للدول، كما أنها تسهم في ضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة وتحقيق التنمية الشاملة التي تجمع بين التقدم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والحفاظ على البيئة. ولذلك فإن الاستثمار في البحث العلمي والمعرفة والتركيز على التصنيع ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة واستقرارًا للجيل الحالي والأجيال القادمة، ويأتي إنشاء الشركة العُمانية لتجارة المعادن كخطوة واعدة في هذا الطريق؛ وهو ما سنتحدث عنه في مقال مستقل إن شاء الله تعالى.
