بدرية الجساسي
ترتكز المؤسسات الناجحة على منظومة من القيم الإيجابية التي تعزز التعاون والإنتاجية والانتماء، غير أن بعض السلوكيات الوظيفية قد تشكل تهديدًا حقيقيًا لهذه المنظومة، وفي مقدمتها السلبية والتذمر المستمران. فهما ليسا مجرد مشاعر عابرة أو آراء شخصية، بل قد يتحولان إلى ثقافة تؤثر في الأفراد والفرق والمؤسسة بأكملها.
والموظف السلبي لا يكتفي بالنظر إلى التحديات من زاوية التشاؤم، بل يسهم في تضخيم المشكلات وتقليل قيمة الإنجازات، بينما يتخذ المتذمر من الشكوى الدائمة منهجًا في التعامل مع المواقف المختلفة، فيغيب الحل وتحضر الاعتراضات، وتتراجع المبادرة أمام ثقافة الإحباط.
وتنعكس هذه السلوكيات على بيئة العمل في عدة أبعاد؛ أولها البُعد النفسي؛ حيث تنتقل السلبية بين الموظفين كما تنتقل العدوى، فتضعف الروح المعنوية ويقل الحماس للعمل. أما البُعد المهني فيظهر من خلال تراجع الأداء والإنتاجية، وارتفاع مقاومة التغيير، وإضعاف القدرة على الابتكار والتطوير. وفي البُعد الاجتماعي تتأثر العلاقات المهنية، فتزداد الخلافات وتتراجع الثقة بين الزملاء، ويضعف الشعور بروح الفريق الواحد.
كما أن السلبية والتذمر يستهلكان وقت المؤسسة وجهدها؛ فبدلًا من توجيه الطاقات نحو الإنجاز والتطوير، تنشغل الفرق بالنقاشات السلبية والاعتراضات المتكررة، وقد يصبح هذا السلوك جزءًا من الثقافة التنظيمية، مما يؤدي إلى عزوف أصحاب الكفاءات عن الاستمرار في بيئة عمل تفتقر إلى الدعم والتحفيز.
ومن أخطر آثار السلبية أنها تضعف الولاء المؤسسي؛ إذ يتحول الموظف من شريك في النجاح إلى ناقد دائم لكل مبادرة أو مشروع، فيفقد إحساسه بالمسؤولية تجاه المؤسسة ورسالتها. وعندما تتكرر هذه الممارسات دون معالجة، تصبح معول هدم يضرب أسس العمل المؤسسي من الداخل، مهما توفرت الموارد والإمكانات.
ولذلك فإن مواجهة السلبية والتذمر لا تكون بتجاهل المشكلات الحقيقية، بل ببناء ثقافة مهنية قائمة على الحوار المسؤول، وتقديم الحلول بدل الاكتفاء بطرح العقبات، وتعزيز الإيجابية والاعتراف بالإنجازات، وتمكين الموظفين من التعبير عن آرائهم بأسلوب بنّاء يخدم مصلحة العمل.
والمؤسسات الكبرى لا تخلو من التحديات، لكنها تتميز بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والشكوى إلى مبادرات، والتذمر إلى أفكار تطويرية. فالإيجابية ليست تجاهلًا للواقع، بل هي قوة تدفع نحو إصلاحه، بينما تبقى السلبية والتذمر المستمران معولًا هدامًا يستهلك الطاقات ويعيق مسيرة النجاح والتميز.
وأخيرًا.. قد تهدم كلمة سلبية ما تبنيه عشرات الكلمات المحفزة، وقد يطفئ التذمر المستمر وهج فريق كامل؛ لذا فإن بناء المؤسسات يبدأ ببناء ثقافة إيجابية تجعل من كل موظف جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.
