"أوميفكو" ومسار التحول منخفض الكربون
زكي المعولي **
يتشكل مستقبل إنتاج الأسمدة اليوم عند تقاطع ضرورتين لم تعد إحداهما منفصلة عن الأخرى، وهما دعم منظومات الغذاء العالمية من جهة، وخفض الكثافة الكربونية للعمليات الصناعية القائمة خلفها من جهة أخرى. وبالنسبة للجهات المنتجة في هذا القطاع، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت هذه النقلة قادمة أم لا، إذ بات السؤال يدور حول كيفية خوضها بمصداقية وواقعية، ووفق رؤية ممتدة في الزمن.
وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا، أدارت أوميفكو في صور بسلطنة عُمان أحد أكثر مجمعات الأمونيا واليوريا إنتاجية وتطورًا تقنيًا في منطقة الخليج. وخلال هذه المسيرة، أتقنت الشركة ركائز التشغيل الصناعي، من إدارة اللقيم، وتحسين كفاءة العمليات، إلى السلامة والخدمات اللوجستية. وهي ركائز تجعل التوجه نحو الأمونيا منخفضة الكربون مسارًا قائمًا على خبرة تشغيلية حقيقية، لا على طموح مستقبلي فحسب. ويمنح ذلك أوميفكو أحد أطول السجلات العملية وأكثرها ثراءً في إنتاج الأمونيا على مستوى المنطقة، مدعومًا بمعرفة فنية عميقة أسهمت في بنائها كفاءات عمانية من المشغلين والمهندسين.
ويمر القطاع اليوم بلحظة فارقة، حيث لا يزال إنتاج الأسمدة التقليدي عنصرًا لا غنى عنه في منظومات الغذاء العالمية، في حين تتجه الشركات المؤهلة لمواكبة المستقبل نحو مرحلة صناعية أقل اعتمادًا على الكربون. وبين ضرورة الحاضر ومتطلبات الغد، تتضح الحاجة إلى جهات منتجة قادرة على الجمع بين الموثوقية التشغيلية والاستعداد الجاد لهذه المرحلة.
معضلة الأمونيا الرمادية
لطالما شكلت الأمونيا عنصرًا أساسيًا في الزراعة، وهي تكتسب اليوم أهمية متزايدة في إعادة تشكيل قطاع الطاقة. وهذه الأهمية المزدوجة تجعل من خفض الانبعاثات المرتبطة بإنتاجها مسألة بالغة التأثير. فمع تطور الأطر التنظيمية، وتزايد تركيز العملاء على كثافة الانبعاثات، سيكون على الجهات المنتجة إثبات قدرتها على صون تنافسيتها، ودعم نموذج صناعي أكثر استدامة في الآن ذاته.
وبالنسبة لأوميفكو، يمثل هذا المسار فرصة لتوطيد مكانتها على المدى البعيد، انطلاقًا من المقومات ذاتها التي صنعت نجاحها حتى اليوم، وهي العمليات الموثوقة، والكوادر المتمكنة من المعرفة الفنية والمنضبطة في التنفيذ، والشراكات المتينة. ويسهم ذلك أيضًا في ترسيخ مكانة صور كوجهة للمعرفة التطبيقية في إنتاج الأمونيا واحتجاز الكربون، وهما ركيزتان ستسهمان بشكل بارز في تشكيل مستقبل الأسمدة منخفضة الكربون وسلاسل القيمة للطاقة النظيفة.
صور وفرصة المستقبل منخفض الكربون
تتحرك أوميفكو على هذا الصعيد في مسارين متوازيين. فهي شريك فاعل في تجمع الهيدروجين والتحول في الطاقة بولاية صور، إلى جانب عدد من الأطراف الصناعية، بهدف تقييم المسارات الكفيلة بدعم تطور المنطقة على المدى البعيد. وتجري في الوقت نفسه دراسات داخلية لخفض الانبعاثات، تتناول فرص الطاقة المتجددة، والهيدروجين منخفض الكربون، والأمونيا منخفضة الكربون، واحتجاز الكربون، بما يتقاطع مع المستهدفات الوطنية في قطاع الهيدروجين.
وتكتسب هذه الجهود قيمتها الاستراتيجية ضمن طموحات سلطنة عُمان الأوسع في مجال الطاقة النظيفة، إذ تجمع أوميفكو بين الخبرة الصناعية، والقدرات الراسخة في التعامل مع الأمونيا، والبنية الأساسية المهيأة للتصدير، والوصول إلى أسواق محورية. وهي عناصر عملية، لا نظرية، تجعل هذا المسار جادًا وموثوقًا، وتربط التقدم المستقبلي بقدرة تشغيلية حقيقية.
ولا تقل الخبرة أهمية عن البنية الأساسية ذاتها. فإدارة مجمع متكامل لإنتاج الأمونيا واليوريا على مدى عقود بكفاءة وأمان، تمنح الشركة ميزة تتجاوز مزيج منتجاتها الراهن. وتملك أوميفكو أيضًا خبرة عملية في احتجاز الكربون، تمنحها قاعدة أكثر رسوخًا للمشاركة بموثوقية في حوارات خفض الكربون على مستوى القطاع الصناعي. ففي القطاعات التي تخوض هذه النقلة، تصبح المعرفة العملية، وجاهزية الكفاءات، واستعداد المنشآت، أصولًا لا تقل أهمية عن التقنية ذاتها.
نافذة التحول وما تفرضه من توازن
ستتطلب هذه النقلة سرعة وانضباطًا في آن واحد، حيث إن الاستراتيجيات الأكثر فاعلية في هذا المجال هي، على الأرجح، تلك التي توازن بين الطموح والواقعية الفنية والتجارية. وبالنسبة لأوميفكو، يعني ذلك مواصلة تعزيز عملياتها القائمة، بالتوازي مع تطوير الدراسات والشراكات والقدرات الكفيلة بدعم الإنتاج منخفض الكربون بمرور الزمن.
وإذا ما أُدير هذا المسار بعناية، فإنه قد يتيح لشركات مثل أوميفكو توسيع نطاق دورها بوصفها منتجًا موثوقًا، وتعزيز مساهمتها في تشكيل مستقبل أكثر استدامة لقطاعي الأسمدة والطاقة. فالنجاح الحقيقي لا يقوم على استبدال الحاضر بالمستقبل دفعة واحدة، بل على بناء جسر عملي بين ما يتطلبه الأمن الغذائي اليوم، وما تفرضه الاستدامة الصناعية غدًا.
مسؤولية وفرصة في آن واحد
سيكون الفصل المقبل في قطاع إنتاج الأسمدة من نصيب الشركات القادرة على الربط بين الأمن الغذائي، والمرونة الصناعية، وخفض الانبعاثات، ضمن رؤية واحدة متماسكة. وتمتلك أوميفكو مقومات هذا الربط من موقع جغرافي إستراتيجي، وبنية أساسية راسخة، وشراكات متينة، وثقافة واضحة في السلامة، ورصيد كبير في مجال إنتاج الأمونيا، وخبرة عملية في مجال احتجاز الكربون، والتزام فعلي بتقييم مسارات المستقبل.
وما سيصنع الفارق في المرحلة المقبلة هو القدرة على مواصلة التنفيذ، أي تحويل الدراسات إلى تقدم ملموس، وترسيخ الشراكات حيثما دعت الحاجة، والحفاظ على منظور طويل الأمد لدور أوميفكو في دعم الإنتاجية الزراعية من جهة، والإسهام في بناء مستقبل صناعي أقل كربونًا من جهة أخرى.
إن النقلة القادمة كبيرة في حجمها وتأثيرها، غير أن أوميفكو تمتلك من الخبرة والموقع والقدرة ما يؤهلها لإثبات أن الصناعة العمانية الأساسية قادرة على أن تبقى موثوقة اليوم، ومستعدة في الوقت ذاته لمستقبل أكثر استدامة غدًا.
** مدير عام الخدمات التقنية لدى "أوميفكو"
