سر الحشود المليونية

 

 

 

جابر حسين العُماني

jaber.alomani14@gmail.com

 

يقف الملايين في مكان واحد، تحت شعار واحد، وراية واحدة، وزي واحد، ينظمون أنفسهم بأنفسهم، لا ينفق عليهم أحد، بل ينفقون من خالص أموالهم، يجمعهم حب لا يبلى، وهو حب سيد شباب أهل الجنة، الحسين بن علي.

هي ظاهرة عالمية تتكرر في كل عام، ولا تزال تتكرر ما بقيت الأرض، ولو نقب الباحثون عن مشهد بهذا الحجم والتأثير فلن يجدوه إلا في يوم العاشر من المحرم ويوم أربعينية الإمام الحسين على أرض كربلاء. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَبْرُدُ أَبَدًا".

حشود مليونية تنادي: "لبيك يا حسين"، أي نستجيب لاستغاثتك يا ابن رسول الله، وأنت القائل: "أَما مِنْ مُغيثٍ يُغيثُنا، أَما مِنْ ذابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّه"، وهو نداء يلزمنا بالوفاء بواجباتنا الدينية والأخلاقية في خدمة نهضة الإمام الحسين المباركة، وليس بالكلام وحده، بل بالاقتداء بمواقفه الرسالية في مواجهة الظلم والظالمين.

وعلى الإعلام العربي ألّا يتردد في نقل هذه الظاهرة الجماهيرية، فهي تنطوي على دروس إنسانية بالغة الأثر، والتي منها ما يلي:

 

• أولًا - قوة المبدأ:

إن استمرار هذه الحشود المليونية بهذا التنظيم العفوي الرائع شاهد حي يدل على قوة المبادئ الرسالية الصادقة التي استطاعت تجاوز حدود الأزمنة والأمكنة، وبقيت حية ومتجددة من جيل إلى جيل بلا توقف.

 

• ثانيًا - التضحية من أجل الحق:

فقد رفع سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي راية الحق في وجه الظلم والعدوان، وخير شاهد على ذلك عندما قال: "إِنْ كانَ دينُ مُحمّدٍ لم يَسْتَقِمْ إلَّا بِقَتْلي فَيا سُيُوفُ خُذيني".

 

• ثالثًا - الوحدة الإسلامية في ظل التنوع:

فلا فرق بين أبيض وأسود إلا بتقوى الله تعالى، فترى في الظاهرة الجموع المليونية الغفيرة تجتمع من بلدان وأعراق ولغات مختلفة، هدفها واحد وشعارها واحد، وهو إعلاء كلمة الحق، مما يعكس أهمية القيم المشتركة بين الجميع في توحيد البشرية بشتى ألوانها وأطيافها.

 

• رابعًا - أهمية التكافل الاجتماعي:

فكل ما يقدمه الناس في الظاهرة المليونية من خدمات مختلفة، كإطعام الطعام، وإيواء الزائرين، وغيرها من خدمات جليلة، ما هو إلا نموذج حي للعطاء والإيثار، وخدمة عظيمة للناس، وهذه السلوكيات النبيلة هي ما أراده الله تعالى أن يترسخ في عباده المؤمنين.

 

• خامسًا - التنظيم الذاتي:

فتلاحظ أن الملايين يتحركون بتعاون وتنسيق ذاتي، وكل فرد أدرى بمسؤوليته الدينية والاجتماعية، وهو بحد ذاته درس عظيم من دروس المسؤولية وأهمية العمل الجماعي الجاد والمنظم.

 

• سادسًا - حفظ القيم والهوية الإسلامية:

فعندما يحيي المسلمون ذكرى الحسين بن علي وما جرى عليه بشكل سنوي؛ فذلك يعني التأكيد على نقل المبادئ والقيم الإسلامية التي حافظ عليها الإمام الحسين وتعلمها من جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وأرادها أن تنتقل عبر الأجيال لحفظ المجتمع من شر الفساد والإفساد.

وأخيرًا.. إن التجمع المليوني البشري في كربلاء في يوم العاشر من المحرم الحرام أو في أربعينية الإمام الحسين، يعلمنا أهمية الإيمان بالمبدأ وقوة الوحدة الإسلامية التي أرادها الله تعالى لنا، والتي يجب أن تجمع ولا تفرق، وأن تحافظ على القيم التي ضحّى من أجلها الإمام الحسين، والتي هي قادرة على توحيد المسلمين وإعلاء شأنهم، وجمع شملهم، وجعلهم أصحاب راية واحدة، متحابين متراصين في مواجهة الظلم والفساد من جيل إلى جيل.

الأكثر قراءة

z