التقاعد المرن للمرأة العُمانية

 

 

هند الحمدانية

على امتداد عقود النهضة المباركة، كانت المرأة العُمانية واحدة من أجمل قصص النجاح الوطنية، خرجت من حدود الفرصة المحدودة إلى آفاق المشاركة الوطنية، فجلست على مقاعد الدراسة، ودخلت قاعات المحاكم، وأدارت المؤسسات، ووقفت في الصفوف الأولى للتعليم والصحة والإدارة والإعلام والهندسة والسياسة وسائر ميادين البناء والتنمية، فأصبحت جزءًا أصيلًا من نسيج الوطن التنموي، وشريكًا حقيقيًا في صناعة منجزاته، ومع كل مرحلة جديدة من مراحل التطور، كانت المرأة تثبت قدرتها على الجمع بين مسؤولياتها المهنية ودورها الأسري، مقدمة نموذجا فريدا في العطاء والالتزام.

واليوم وبعد سنوات طويلة من الخدمة والعمل والإسهام في بناء المؤسسات الوطنية، يبقى السؤال الإنساني: هل اكتفينا بالاحتفاء بعطاء المرأة، أم أننا فكرنا أيضًا في استدامة هذا العطاء؟ فبين أروقة ومسؤوليات الأسرة، وبين متطلبات الوظيفة واحتياجات الأبناء، تمضي سنوات العمر سريعًا وهي تمنح من وقتها وجهدها وصحتها أكثر مما يظهر في التقارير والإحصاءات. وهنا تبرز تساؤلات جوهرية، هل وفَّرنا للمرأة من المرونة ما يكفل لها أن تستمر في العطاء دون أن تدفع من صحتها وطاقتها وأعوامها ثمنا لذلك؟ وهل نجحنا في بناء منظومة لا تستثمر في عمل المرأة فقط، بل تستثمر في راحتها وجودة حياتها وقدرتها على مواصلة دورها الأسري والاجتماعي والوطني؟

إنَّ القضية ليست في عدد سنوات الخدمة بقدر ما هي في الكيفية التي نصون بها الإنسان الذي يقف خلف هذه السنوات، وفي قدرتنا على إيجاد توازن عادل بين احتياجات المرأة وبين متطلبات الاستدامة المالية واستدامة العطاء الإنساني نفسه. هذه التساؤلات لا تنطلق من رفض الأنظمة الحالية أو التقليل من أهمية المحافظة على التوازن المالي لصناديق الحماية الاجتماعية، بل على العكس تمامًا؛ فاستدامة هذه الصناديق تمثل مسؤولية وطنية كبرى، وهي الضمان الحقيقي لاستمرار الحقوق التقاعدية للأجيال الحالية والقادمة. ولقد جاءت الإصلاحات التي شهدها نظام الحماية الاجتماعية في سلطنة عُمان استجابةً لمُعطيات اقتصادية وديموغرافية معروفة، من بينها ارتفاع متوسط العُمر المتوقع، وزيادة أعداد المستفيدين من المعاشات، وضرورة المحافظة على قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته لعقود طويلة قادمة.

ولذلك فإن أي حديث عن التقاعد لا ينبغي أن يتجاهل هذه الحقائق، أو أن يتعامل معها بوصفها عقبات يمكن تجاوزها بالعاطفة أو الأمنيات؛ فالإدارة الرشيدة للموارد العامة تقتضي الموازنة بين الحقوق والالتزامات، وبين متطلبات الحاضر وحقوق المستقبل.

لكن في المقابل، فإن العدالة الاجتماعية تقتضي أيضًا أن ننظر إلى الواقع الإنساني للمرأة العاملة نظرة أكثر شمولًا؛ فالمرأة العُمانية التي تغادر مقر عملها عند نهاية الدوام لا تغادر في الغالب مسؤولياتها اليومية؛ فهناك عالم آخر من المسؤوليات ينتظرها في المنزل: أبناء يحتاجون إلى الرعاية، وأسرة تحتاج إلى المتابعة، ووالدان يتقدمان في العمر ويحتاجان إلى الاهتمام، ومسؤوليات يومية مُتراكمة لا تظهر في السجلات الوظيفية ولا تحتسب ضمن سنوات الخدمة.

والمجتمع يدرك هذه الحقيقة جيدًا؛ فالمرأة تؤدي في كثير من الأحيان دورين متوازيين؛ دور الموظفة المنتجة داخل المؤسسة، ودور الحاضِنة والمُربِية والمديرة لشؤون الأسرة. وبين الدورين تمتد سنوات طويلة من الجهد المتواصل الذي لا يُقاس بعدد الساعات ولا بحجم الراتب.

ومن هنا، فإنَّ النقاش حول التقاعد لا ينبغي أن يكون نقاشًا حول الامتيازات، بل حول الخيارات؛ فالمرأة العُمانية لا تُطالِب بمعاشٍ كاملٍ بعد سنوات خدمة قصيرة، ولا تطالب بتحميل صناديق التقاعد أعباءً إضافية لا تستطيع تحملها، ما نطرحه للنقاش هنا هو فكرة مختلفة تمامًا، تقوم على مبدأ المرونة والاختيار، فلماذا لا يُتاح للمرأة، وفق ضوابط اكتوارية دقيقة، أن تختار التقاعد بعد مُددِ خدمةٍ مختلفةٍ، مقابل معاشات مُتدرِّجة تتناسب مع سنوات الخدمة الفعلية؟ بمعنى أن تبقى سنوات الخدمة الطويلة مرتبطة بمعاشات أعلى، بينما تُمنح المرأة التي ترغب في التقاعد بعد مُدة أقل فرصة الحصول على معاش أقل يتناسب مع مدة اشتراكها ومساهمتها في النظام، فليس من الضروري أن يكون التقاعد المبكر مرادفًا للمعاش الكامل؛ إذ يمكن بناء نظام مُتدرِّج يمنح نحو 45% من المعاش بعد 15 سنة خدمة، و55% بعد 20 سنة خدمة، و70% بعد 25 سنة، وصولًا إلى الاستحقاق الكامل بعد 30 سنة، وبذلك تُمنح المرأة حرية الاختيار دون الإخلال بالتوازن المالي للصندوق.

إنَّ جوهر الفكرة لا يقوم على زيادة الإنفاق، بل على تنويع الخيارات، وذلك لاختلاف ظروف النساء العاملات؛ فهناك من ترغب في الاستمرار في العمل حتى سن الستين، وهناك من ترى أن مسؤولياتها الأسرية أو الصحية أو الاجتماعية تجعل التقاعد المبكر خيارًا أكثر ملاءمة لها، كالأُم العاملة التي ترعى طفلًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو ابنة تتولى رعاية والديْن تقدما في العمر، أو أرملة تتحمل مسؤولية بيت بالكامل، وغيرها من الظروف المختلفة.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن السياسات الحديثة لم تعد تنظر إلى سوق العمل بمنطق جامد يقوم على مسار واحد يناسب الجميع، بل اتجهت نحو حلول أكثر مرونة تشمل العمل الجزئي والعمل عن بعد، وساعات العمل المرنة، والتقاعد التدريجي، وغيرها من الأدوات التي تساعد على تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة ومتطلبات العمل.

العالم يتجه اليوم إلى مفهوم أوسع للرفاه الاجتماعي، لا يقيس النجاح بعدد سنوات البقاء في الوظيفة فقط، بل بقدرة الإنسان على تحقيق التوازن بين حياته المهنية وحياته الأسرية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التقاعد المرن باعتباره أحد الخيارات التي تستحق الدراسة؛ فمقترح من هذا النوع يجب أن يخضع لدراسات مالية واكتوارية دقيقة، وأن يُبنى على بيانات حقيقية ومعايير واضحة تضمن عدم الإضرار باستدامة النظام التقاعدي، فالاستدامة هي الأساس الذي تقوم عليه الثقة بين المواطن والمؤسسة، لكن المحافظة على الاستدامة لا تتعارض بالضرورة مع البحث عن حلول أكثر إنصافا ومرونة؛ بل إن أعظم السياسات العامة هي تلك التي تنجح في تحقيق التوزان بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

ومن هنا يمكن أن تتحول فكرة التقاعد المرن إلى مساحة للحوار الوطني بين الجهات المختصة والخبراء والمعنيين والمهتمين بالشأن الاجتماعي والاقتصادي، بهدف الوصول إلى صيغ مبتكرة تراعي خصوصية المرأة العُمانية وتنسجم في الوقت نفسه مع متطلبات الاستدامة المالية.

وفي خضم انشغالنا باستدامة المؤسسات، لا ينبغي أن نغفل عن استدامة الإنسان؛ فالأوطان لا تبنى بالأنظمة وحدها؛ بل بالنساء والرجال الذين يهبون أعمارهم عاما بعد عام، ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا أمامنا جميعًا: كيف نصنع أنظمة تُمكِّن المرأة من أن تعيش سنوات عطائها وسنوات ما بعد العطاء بالقدر نفسه من الكرامة والطمأنينة؟ وعندما ننجح في تحقيق هذا التوازن، فإننا لا نكون قد أنصفنا المرأة وحدها، بل نكون قد أنصفنا الأسرة، وعززنا استقرار المجتمع، ورسَّخنا واحدة من أسمى قيم النهضة العُمانية: أن يبقى الإنسان دائمًا في قلب التنمية وغايتها الأولى.

الأكثر قراءة

z