الصيف.. والذكريات الجميلة

 

 

 

سالم بن نجيم البادي

 

أعشقُ فصل الصيف منذ أن كنت طفلًا؛ فالصيف يقترن في ذهني بالإجازة والراحة والاستجمام والذكريات الرائعة. وفيه ينضج الرطب والتين والعنب والهمبا، وتأتي مواسم الأمطار الموسمية التي يطلقون عليها هنا «الروايح»، حين تتشكل السحب عند الظهيرة، ثم يُسمع صوت الرعد ويهطل المطر ليزاحم حرارة الصيف القاسية ويخفف من وطأتها.

وتنتعش المزارع والبلدات المتناثرة بين الجبال، والمزروعة بالنخيل والليمون والهمبا والعنب والتين والبالنج والأترنج والجح والبطيخ والبصل والفندال والحناء والياس والياسمين والأعلاف الحيوانية. ويعود إليها أصحابها لقطف ثمار أشجار الفواكه وجني الرطب من أشجار النخيل، أو ما يسمى بالخراف، ثم يأتي موسم الحصاد بعد أن يتحول الرطب إلى تمر «سح». ويسمون عملية قطع عذوق النخيل «الجداد».

ولحصاد التمر طقوسه ومراحله الخاصة؛ إذ يجتمع الناس فيما يشبه الكرنفالات والمهرجانات الشعبية، ويشاركون في الحصاد بهمة ونشاط وفرح، ويرددون الأهازيج الخاصة بالجداد. ثم يُجفف التمر تحت أشعة الشمس فوق الدعون المصنوعة من زور النخيل، التي تسمى «المسطاح». وبعد ذلك تتم تنقية السح وفرزه، فيُفصل التمر الصالح للأكل عن الفاسد الذي يستخدم علفًا للحيوانات ويُسمى «النفيعة»، وهو يُباع بأسعار مرتفعة. أما التمر الجيد فيُحفظ في الجربان المصنوعة من سعف النخيل، ومفردها جراب، أو في الجواني والأواني البلاستيكية، أما اليوم فقد أصبحت مصانع التمور تتفنن في تعبئته داخل علب فاخرة وأنيقة.

وحين كنا صغارًا كنا نذهب لالتقاط الخلال المتساقط من النخيل قبل أن ينضج، ونتنافس نحن الأطفال على من يملأ وعاءه أولًا، ثم يعود إلى أهله مسرورًا بما جمعه، وكأنه حقق إنجازًا عظيمًا.

وفي الصيف يأتي موسم عسل البرم، والبرم هو أزهار شجر السمر، ويبدأ موسمه من منتصف شهر مايو حتى نهاية شهر يوليو. وفي تلك الفترة يخرج الناس للبحث عن العسل في الجبال، ويذهبون عادة في الصباح الباكر ويعودون قبل الظهيرة. وما زلت حتى اليوم أمارس هواية البحث عن العسل بين الجبال، مستمتعًا بما تحمله من مغامرة ومتعة وارتباط بالطبيعة.

وعندما يأتي الصيف تعود بي الذاكرة إلى أيام الدراسة والاغتراب، فأعود بوجداني إلى أمي حين كنت طالبًا بعيدًا عن أهلي، كما أعشق الصيف لأن أبي كان يعود إلينا من سفره خارج الوطن، فيتحول حضوره إلى فرح آخر يضاف إلى أفراح الصيف الكثيرة.

وأعشق صباحات الصيف حين أشاهد قطيع أغنامنا متجهًا إلى المراعي، والجمال تستيقظ متثاقلة ثم تمضي لترعى من أشجار السمر والسدر والغاف والسلم. وتنتشر في الأجواء رائحة أزهار السمر الزكية، وتتردد أصوات اليمام في الفضاء، فتمنح المكان سكينة لا توصف.

وأعشق مساءات الصيف حين تعود الحيوانات من مراعيها، فنقدم لها العلف ونحلبها، ثم تستقر قريبًا من بيتنا. ويعود اليمام إلى أعشاشه التي كنا نتردد عليها باستمرار، نراقب البيض في شغف وانتظار حتى يفقس، وتخرج صغار اليمام إلى الحياة، فتملأ نفوسنا فرحًا ودهشة.

وعندما كبرت صرت أعشق الصيف أكثر، لأنه يعني الإجازة والسفر وعودة المغتربين إلى قراهم وأهلهم. وأسافر في الصيف لتبقى ذكريات السفر متوهجة في الذاكرة حتى يحل الصيف القادم.

وأعشق الصيف لأن فيه شهر أغسطس، الشهر الذي شهد أول قصة حب في زمن المراهقة، قصة استمرت سنوات طويلة، وما زلت أحتفل بقدوم أغسطس لأنه كان يعني رجوع من أحب إلى الديار بعد غياب طوال فصل الشتاء، فكان حضوره يحمل معه الفرح والشوق والانتظار الجميل.

جميل ولطيف ومذهل هو صيف بلادي، بما يحمله من خيرات وذكريات ولقاءات وروائح وأصوات ومشاهد لا تغيب عن الذاكرة. وأعجب من أولئك الذين يفرون منه كل عام إلى البلاد الباردة، بينما أراه أنا فصل الحياة والحنين والجمال، والفصل الذي تزداد فيه صلتي بالأرض والناس والذكريات.

الأكثر قراءة

z