سياسة الخسارة

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

منذ سنوات طويلة أحاول أن أوضح فكرة أراها في غاية الأهمية، ولكنني لم أجد من يتبناها كما ينبغي، وهي أن الخسارة ليست دائمًا أمرًا سلبيًا يجب القضاء عليه فورًا، وأن بعض الخسائر المحدودة والمحسوبة قد تكون استثمارًا وطنيًا يفتح أبوابًا واسعة للاقتصاد والإنتاج والتنمية.

ولا أريد اليوم أن أتحدث عن شركات ومؤسسات حكومية حققت خسائر تراكمية بملايين الريالات، فهذه أمثلة يعرفها الجميع، ولكنني أتساءل: لماذا نقبل خسائر ضخمة في بعض القطاعات، بينما نرفض دعمًا محدودًا ومدروسًا لمشروعات قادرة على خلق فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي وتحريك عجلة الإنتاج؟

أتذكر تجربة التسويق الزراعي التي كانت قائمة في السابق، والتي لم تكن مجرد عملية شراء وبيع للمنتجات الزراعية، بل كانت منظومة تدعم المزارع وتشجعه على الاستمرار في الإنتاج وتمنحه الثقة بأن جهده لن يضيع. ومع ذلك توقفت التجربة بسبب الحديث عن الخسائر، وكأننا نظرنا إلى الأرقام المباشرة فقط وتجاهلنا ما تحققه من فوائد اقتصادية واجتماعية واستراتيجية أكبر بكثير.

المشكلة في رأيي لم تكن في الفكرة، وإنما في طريقة التنفيذ؛ فكثير من المؤسسات تبدأ بهياكل إدارية ضخمة وقوائم طويلة من الموظفين ورواتب ومخصصات ومزايا متعددة، ثم يصبح الإنفاق هو الهدف والإنتاج هو الاستثناء. وبعد سنوات تتراكم الخسائر، فيُقال إن المشروع فشل، بينما الحقيقة أن الإدارة هي التي فشلت.

إن أي توجه لإحياء منظومة التسويق الزراعي يجب أن يقوم على مبدأ مختلف تمامًا. لا نريد مؤسسة جديدة مثقلة بالوظائف والامتيازات، بل نريد جهازًا صغيرًا وفعالًا يعتمد على الكوادر الموجودة أصلًا في الجهات الحكومية ذات العلاقة، وبالرواتب الحالية دون أعباء إضافية؛ فالأموال يجب أن تذهب إلى دعم المنتج والتسويق والتطوير، لا إلى تضخم الجهاز الإداري.

كما أنني لا أدعو إلى تدخل الدولة في تفاصيل عمل المزارع. دعوا المزارع ينتج ويبدع ويطور أرضه كما يشاء، لكن ضمن مواصفات واضحة ومعايير جودة محددة. المطلوب أن تشتري منه جهة متخصصة بأسعار معقولة تحفظ حقه وتراعي مصلحة الدولة، ثم تتولى هي عمليات الفرز والتعبئة والتسويق والتصدير باحترافية عالية.

ولا أقصد إطلاقًا أن يكون الباب مفتوحًا لاستقبال أي منتج مهما كانت جودته، بل يجب أن تكون هناك مواصفات صارمة ومعايير دقيقة تضمن أن ما يحمل اسم عُمان قادر على المنافسة في الأسواق العالمية. نحن لا نريد مجرد تصريف إنتاج، بل نريد صناعة سمعة تجارية وطنية.

لقد نجحت دول كثيرة في بناء اقتصادات قوية من أفكار بسيطة. بعضها امتلك آلاف الأبقار فقط، لكنه لم يكتفِ ببيع الحليب، بل طور منتجاته وصنع أفضل أنواع الأجبان في العالم حتى أصبحت علامة تجارية عالمية تحقق عوائد مضاعفة. الفكرة لم تكن في عدد الأبقار، بل في التفكير التجاري والتسويق الذكي والجودة العالية.

وعُمان تمتلك فرصًا أكبر مما نتصور. لدينا تنوع مناخي وجغرافي نادر، من ظفار إلى الجبل الأخضر ومن الباطنة إلى الداخلية والظاهرة والشرقية ومسندم. ولدينا منتجات زراعية يمكن أن تتحول إلى علامات تجارية عالمية إذا أحسنّا استثمارها وتسويقها. ما نحتاجه هو عقلية تبحث عن الأسواق قبل أن تبحث عن المخازن، وتفكر في التصدير قبل أن تفكر في التخلص من الفائض.

نريد أن تصل المنتجات العُمانية إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا وآسيا عبر منظومات حديثة للتعبئة والتغليف والشحن والنقل الجوي والبحري. نريد منافسة عالمية حقيقية تقوم على الجودة والتميز لا على الحماية المؤقتة أو الدعم غير المدروس.

وقد تكون هناك خسائر في السنوات الأولى، وهذا أمر طبيعي في أي مشروع استراتيجي، لكن الفارق كبير بين خسارة تُدفع لبناء قطاع منتج وقادر على النمو، وخسارة تُدفع لتمويل الترهل الإداري وضعف الأداء. الأولى استثمار في المستقبل، والثانية استنزاف للموارد.

وأريد أن أؤكد على نقطة أراها جوهرية: عندما نستثمر في الإنتاج الحقيقي والتسويق الحقيقي فإننا لا ننتج محاصيل زراعية فقط، بل ننتج خبرات وكفاءات وقيادات. ننتج مسوقين ومصدرين ومديرين ورواد أعمال وخبراء يفهمون الأسواق العالمية. أما عندما يكون التركيز على الوظائف والمخصصات والألقاب الإدارية فقط، فإننا ننتج موظفين ينتظرون نهاية الشهر أكثر مما ينتظرون تحقيق الإنجاز.

إن الأمن الغذائي لا يتحقق بالشعارات، والتنمية لا تتحقق بالمكاتب، والاقتصاد لا يُبنى بالإنفاق وحده. الاقتصاد يُبنى بالإنتاج والتسويق والمنافسة. ولذلك أقول إن المطلوب اليوم ليس الخوف من الخسارة، بل الخوف من ضياع الفرص. فبعض الخسائر المحدودة والمحسوبة قد تكون الثمن الذي ندفعه لبناء قطاع وطني قوي، وصناعة مستقبل اقتصادي أكثر استقرارًا، وتحويل عُمان من سوق مستهلك إلى منتج ومصدر ومنافس في الأسواق العالمية.

الأكثر قراءة

z