تحليل أوَّلي لمذكرة التفاهم
د. عبد الله الأشعل **
نشر البيت الأبيض نص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان هذا الاتفاق قد استغرق شهورًا في المناقشة بين الوسطاء وأطراف الصراع.
وقُلنا مسبقًا إن هذا الاتفاق لن يصمد للأسباب الآتية:
أولًا: انعدام الثقة بين الطرفين المتصارعين؛ فإيران تتحصن بالقانون الدولي وتثق أنها على حق، أما أمريكا فلا تصدق أن دولة من دول المنطقة تهز صورتها وتصمد أمام القوة الأمريكية الخارقة، مما أدى إلى زعزعة مكانة ترامب ونتنياهو.
ويقول المراقبون إن مستقبل ترامب ونتنياهو في خطر، أما هذا الاتفاق فيشهد بانتصار إيران على أمريكا وإسرائيل، وسنوضح المكاسب التي حصلتها إيران في صمودها ودفاعها المستميت عن حقوقها.
ثانيًا: ضعف الوسطاء عن مواجهة أمريكا، وكلهم قريبون منها، وهم قطر ومصر وتركيا وباكستان. ومع ذلك بذل الوسطاء جهودًا مخلصة في التوصل إلى هذا الاتفاق.
ثالثًا: أن الميزان مائل بدرجة كبيرة في صف إيران، ولا بُد أن مواجهة ستحدث في أمريكا بسبب هذا الاتفاق.
صحيحٌ أن الاتفاق سيصمد إلى ما بعد ترامب، ولكن هذا الاتفاق يشهد أن ترامب رئيس فاشل جرَّ الويلات على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي، وهزَّ الثقة في العلاقة بين إسرائيل وأمريكا، وأعطى نصرًا مستحقًا لإيران، ولكن هذا النصر أذهل المراقبين.
رابعًا: إن ترامب فسَّر الاتفاق على أنه انتصار له شخصيًا على إيران، وأوضح في تصريحاته أن دبلوماسية القوارب المسلحة نجحت في الضغط على إيران، واعتقد أن الاتفاق نصر لبلاده وله شخصيًا.
ولن يتردد ترامب في التقدم بهذا الاتفاق إلى جائزة نوبل، مما يثير سخرية العالم كله ضد أمريكا وترامب.
والسجن هو مصير نتنياهو وترامب لأسباب تتعلق بالداخل الإسرائيلي والأمريكي.
والثابت أن أمريكا استخدمت قوتها لتحقيق المصالح الإسرائيلية، ولا مصلحة مطلقًا لها في هذه الحرب.
خامسًا: إن الجرح الذي عانت منه إيران سوف يُترجم في المستقبل إلى سياسات انتقامية. ويكفي أن إيران فازت بكل مفاتيح المنطقة، وسوف تجني نتائج صمودها وهزيمة أمريكا.
أما أن هذا الاتفاق لصالح إيران، فتفصيله كما يلي:
أولًا: أن إيران لم تحقق أيًّا من أهداف إسرائيل وأمريكا؛ فقد ظن ترامب ونتنياهو أن اغتيال المرشد الأعلى في إيران سوف يُسقط النظام قياسًا على العالم العربي.
ثانيًا: أن الهدف الأساسي لإسرائيل منذ سنوات هو إسقاط النظام في إيران وتحويل حزب الله إلى حزب سياسي، وكانت تهدف إلى تخلي إيران عن ساحات المقاومة جميعًا، ولكن إيران تمسكت بدعم المقاومة.
ثالثًا: إن إسرائيل كانت تهدف إلى الانفراد بلبنان، ولكن الاتفاق كان بمثابة صفعة لها.
رابعًا: إن أمريكا وإسرائيل كانتا تهدفان إلى حرمان إيران من السلاح النووي، ولكن حصل ترامب على وعد من إيران بأنها لن تطور سلاحًا نوويًا، واحتفظت باليورانيوم المخصب في أراضيها رغم محاولات أمريكا وإسرائيل سرقته.
خامسًا: إن هدف إسرائيل التطبيع مع السعودية وبناء إسرائيل الكبرى، وجاء الاتفاق ليُحبط هذين الهدفين.
سادسًا: خسرت الولايات المتحدة والجيش الأمريكي الهيبة على مستوى العالم، وفي المنطقة خصوصًا.
سابعًا: أدى الاتفاق الإيراني الأمريكي إلى زعزعة الثقة الخليجية بالحماية الأمريكية؛ فقد صُوِّرت إيران على أنها المهدد لأمن الخليج، فإذا بالاتفاق ينصبها ضامنًا للخليج.
الخلاصة.. إن هذا الاتفاق أرغم ترامب على قبول ما لا يُقبل، ودق إسفينًا في التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الاتفاق قضى على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
ولا ندري تقييم الصين وروسيا لهذا الاتفاق، وظني أن الدولتين تشعران بالغيرة تجاه إيران؛ فقد انتصرت على أمريكا انتصارًا مدويًا بينما فشلتا في إلحاق الضرر بها.
ثامنًا: أن الاتفاق إشارة لزوال إسرائيل، وهذا ما بشَّرنا به في مقال سابق، وإذا زالت إسرائيل فإن الغرب سوف يفقد وكيلًا حصريًا له في المنطقة، وسوف يؤذن زوالها لتسيُّد الفرس في المنطقة، ولن يحرر الأقصى سوى فارس، ولن يسترد القدس وفلسطين إلا إيران.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
