يوسف بن علي الجهضمي
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تنظيم الأنشطة التجارية وتعزيز بيئة الاستثمار وحماية المستهلك ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ما زالت ظاهرة البيع العشوائي على الطرقات والأسواق والأماكن العامة تتوسع بصورة لافتة، حتى أصبحت مشهدًا يوميًا يراه الجميع دون أن يجد له معالجة واضحة وحاسمة.
وعندما نتحدث عن هذه الظاهرة فإننا لا نتحدث عن شخص يبحث عن رزقه أو عن عامل يسعى لتحسين دخله، فالرزق حق مشروع للجميع، ولا أحد يعترض على ذلك. لكن القضية الحقيقية هي: هل يكون طلب الرزق خارج إطار القانون؟ وهل يسمح بممارسة نشاط تجاري دون ترخيص أو سجل أو رقابة أو التزام بالاشتراطات المنظمة للسوق؟
المواطن العماني عندما يفكر في بيع الخضراوات أو الفواكه أو أي منتج آخر، يجد أمامه سلسلة من الإجراءات والاشتراطات والمتطلبات القانونية. فهو مطالب باستخراج سجل تجاري، والحصول على الموافقات اللازمة، والالتزام بالاشتراطات الصحية والبلدية، ودفع الرسوم المقررة، وتحمل مسؤولية أي مخالفة قد تقع. وفي المقابل، يشاهد البعض من يمارس النشاط نفسه على قارعة الطريق دون سجل أو ترخيص أو التزامات مماثلة.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد على ألسنة المواطنين: لماذا يطلب من المواطن الالتزام الكامل بالنظام بينما يرى من يمارس النشاط نفسه بعيدًا عن تلك المتطلبات؟
ومن الملاحظ أن جانبًا كبيرًا من هذه الظاهرة يرتبط ببعض الوافدين الذين يمارسون بيع الخضراوات والفواكه ومنتجات أخرى في الطرقات والأسواق العامة دون أن تكون لديهم أنشطة تجارية ظاهرة أو مواقع مرخصة لمزاولة هذا النوع من الأعمال. ولا أحد يعترض على الوافد الملتزم الذي يعمل وفق القانون، لكن الإشكالية تكمن في ممارسة بعض الوافدين أنشطة تجارية خارج نطاق الأعمال المصرح لهم بها، بل إن بعضهم يعرض منتجات مستوردة أو مشتراة من الأسواق على أنها منتجات محلية، مستفيدًا من ثقة المستهلك ورغبته في دعم المنتج الوطني. وهنا يحق للمواطن أن يتساءل: لماذا يخضع المواطن للاشتراطات والرقابة والمساءلة، بينما يرى بعض الوافدين يمارسون النشاط نفسه دون الالتزام بالمتطلبات ذاتها؟
إن المشكلة لا تتوقف عند حدود البيع العشوائي فقط، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فالكثير من المنتجات المعروضة يتم الترويج لها على أنها منتجات محلية أو من إنتاج المزارع العمانية، بينما تكون في الواقع منتجات مستوردة أو مشتراة من الأسواق المركزية ثم يعاد تسويقها على أنها إنتاج محلي. وهذا الأمر لا يضر بالمستهلك فحسب، بل يضر كذلك بالمزارع العماني الذي ينافس في سوق غير متكافئة.
فالمنتج المحلي الحقيقي يمر بمراحل من الجهد والتكلفة والعناية حتى يصل إلى المستهلك، بينما يستطيع البعض شراء منتجات جاهزة وإعادة بيعها بهامش ربح مرتفع مستفيدًا من ثقة الناس ورغبتهم في دعم المنتج الوطني.
ومن زاوية أخرى، فإن هذه الظاهرة تؤثر بشكل مباشر على أصحاب المحلات والأنشطة التجارية المرخصة. فهؤلاء دفعوا الرسوم واستأجروا المواقع والتزموا بالأنظمة وخضعوا للرقابة، بينما ينافسهم من لا يتحمل أي من تلك الالتزامات. فكيف يمكن تحقيق العدالة التجارية في مثل هذه الحالة؟
إن استمرار هذه الظاهرة يبعث برسالة سلبية مفادها أن الالتزام بالقانون مكلف، بينما المخالفة قد تكون أكثر ربحًا. وهذه رسالة خطيرة على أي مجتمع يسعى إلى ترسيخ ثقافة احترام النظام والقانون.
ولا يمكن تحميل الجهات المختصة المسؤولية وحدها، فالمجتمع شريك في هذه القضية. فكل مستهلك يشتري من مصدر مجهول أو من نشاط غير منظم يسهم بشكل غير مباشر في استمرار الظاهرة وانتشارها. ولو أن المستهلك طالب بمعرفة مصدر المنتج وتأكد من قانونية النشاط، لتراجع الكثير من هذه الممارسات.
كما أن بعض المواقع التي تشهد هذا النوع من البيع أصبحت تشكل تحديات أخرى تتعلق بالسلامة المرورية، حيث تتسبب في الوقوف العشوائي للمركبات على جوانب الطرق، وما يرافق ذلك من مخاطر على مستخدمي الطريق، فضلًا عن التشوه البصري الذي قد ينتج عن انتشار البسطات غير المنظمة.
إن القضية ليست قضية رزق، وليست اعتراضًا على الوافد الذي يعمل بصورة قانونية، وإنما قضية عدالة وتطبيق قانون ومساواة في الالتزام بالأنظمة. فالمواطن والوافد على حد سواء يجب أن يخضعا للقواعد نفسها، لأن أي تساهل مع المخالفات، أيًا كان مرتكبها، يضر بالسوق ويؤثر على المنتج الوطني ويضعف ثقة المجتمع في عدالة تطبيق القانون.
ومن هنا فإن المطلوب من الجهات المختصة تكثيف الرقابة الميدانية، والتأكد من مصادر المنتجات المعروضة، ومراجعة الأنشطة التي تمارس خارج الأطر القانونية، واتخاذ الإجراءات التي تكفل العدالة بين جميع العاملين في السوق. كما أن المطلوب من المجتمع عدم تشجيع أي نشاط مخالف مهما كانت المبررات، لأن دعم النظام واحترام القانون مسؤولية مشتركة.
إن المواطن لا يطالب بمعاملة استثنائية، ولا يطالب بحرمان أحد من حقه في العمل، وإنما يطالب بمبدأ بسيط وواضح: إذا كان القانون يطبق عليه، فيجب أن يطبق على الجميع. وإذا كان بيع المنتجات المحلية حقًا مشروعًا، فالأولى أن يكون ذلك من خلال أصحابها ومنتجيها الحقيقيين، لا من خلال من يستغل غياب الرقابة أو ضعف المتابعة لتحقيق مكاسب لا تستند إلى أي إطار قانوني.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجهات المعنية: هل ستظل هذه الظاهرة تتوسع عامًا بعد عام حتى تصبح واقعًا مفروضًا، أم أن الوقت قد حان لإعادة تنظيم السوق وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، حفاظًا على العدالة وحمايةً للمستهلك ودعمًا للمنتج الوطني؟
