العيد ما بين الحمراء والقاهرة (3)

 

 

 

سالم بن محمد بن أحمد العبري

 

حين نسترجع صور الاحتفالات بالأعياد والمواسم الدينية والوطنية في الحياة الماضية؛ سواءً أكانت في القرى أو الحواضر أو المدن، نكتشف أنها كانت أكثر بهاءً وبهجةً وسرورًا، والناس أكثر انبساطًا من هذه الأيام التي نعيشها بما فيها من رفاهية الحياة؛ لأن الحياة كانت في تلك الأيام أبسط على كل المجتمع، ميسوره ومعدمه؛ فالفقير قانع بما قسم الله له من أنصبة الحياة، ولا يتباهى فوق طاقته، بل كان يكتفي بغسل ثوب العيد والأعياد الماضية، ولا يكلف نفسه بذبيحة حتى يتباهى بها أمام الغير، وكان يشتري حوالي 4 كيلوغرامات من اللحم كان يحجزها قبل العيد، أو يذهب إلى القصاب الذي يكون قد استبق وذبح ثورًا كبير الحجم، وربما نحر أكثر من رأس.

وفي تلك الأيام التي ولّت، كان القصابون يستعرضون ذبائحهم في الحلقة المخصصة لبيع اللحوم في السوق بدءًا من يوم 26 أو 27 من رمضان قبيل عيد الفطر، وفي الأيام 6 و7 من شهر ذي الحجة. ومن عجائب تلك الأيام أن القصاب وأعوانه كانوا يتجولون في الحارات بالثيران التي سينحرونها؛ ليشاهدها الناس ويتعرفوا على هيئتها وصحتها وسمنها وخلوها من العيوب. وكان بعض الناس يقتسمون مع الأهل أو الأصدقاء الرُّبع من الذبيحة أو الثُّمُن، أو ما شاء لهم، وما يقتدرون عليه من الأسعار... إلخ.

وكانت بعض (السَّبلات/المجالس) تقوم بهذا الأمر؛ خدمةً لمرتاديها، حيث كان التكافل الاجتماعي والمودة ييسران الاحتفالات بالعيد ومتطلباته المعيشية على المعسرين، إما قرضًا وإما بِرًّا. وقد حدثني بعض الذين كانوا شبه ميسورين قائلًا: كنا في حياة والدي في سعة وفضل من الله، فلما توفاه الله انقسمنا إلى عدة أُسر صغيرة خرجت من رحم أُسرة واحدة كبيرة، وبعد أن كنا في فضل وسعة من الله، فلما إن تقسمنا إخوةً وأخوات، وتوزع الفضل المبارك بالجمع والمحبة، أتى عيد من الأعياد ولم أكن أملك قروشًا فضية لأنفق منها الحد الأدنى على أسرتي وما تطمح إليه من متطلبات العيد الضرورية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z