قانون مؤسسات المجتمع المدني.. خطوة نحو المستقبل

 

 

 

شيخة المشايخية

 

يمثل صدور المرسوم السلطاني رقم (64/2026) بإصدار قانون مؤسسات المجتمع المدني محطة مهمة في مسيرة التطور التشريعي والمؤسسي في سلطنة عُمان، ويعكس رؤية وطنية متقدمة نحو تعزيز دور المجتمع كشريك فاعل في التنمية، وترسيخ مفهوم العمل المؤسسي المنظم القائم على الاستدامة والشفافية والمسؤولية.

يأتي هذا القانون منسجمًا مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" التي تركز على استمرارية بناء دولة المؤسسات والقانون، وتعزيز الشراكة بين الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص، ورفع كفاءة المؤسسات الوطنية وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.

فالمجتمعات الحديثة لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها الحكومية أو الاقتصادية؛ بل كذلك بمدى نضج مؤسساتها المجتمعية وقدرتها على المشاركة الفاعلة في معالجة التحديات ودعم التنمية وتحقيق التكافل الاجتماعي.

ويعد الانتقال من مفهوم "الجمعيات" بمختلف أنواعها إلى مفهوم أشمل هو "مؤسسات المجتمع المدني" تطورًا نوعيًا ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة، حيث أصبحت هذه الكيانات تؤدي أدوارًا تنموية واجتماعية واقتصادية متزايدة التأثير، وتسهم في دعم جهود الدولة وخدمة المجتمع بمختلف فئاته.

ومفهوم المؤسسة يحمل في طياته أبعادًا أوسع من العمل التطوعي التقليدي، فهو يرتبط بالتخطيط والاستدامة والحوكمة وقياس الأداء وإدارة الموارد بكفاءة، وهي عناصر أصبحت ضرورية لضمان نجاح أي كيان يخدم المجتمع على المدى الطويل.

كما أن اعتماد مفهوم "المؤسسة" يفتح آفاقًا جديدة لتطوير العمل المجتمعي، ويمنح هذه الكيانات هوية مؤسسية أكثر وضوحًا واستقرارًا، ويعزز قدرتها على بناء الشراكات واستقطاب الكفاءات وتطوير برامجها ومشروعاتها بصورة أكثر احترافية واستدامة.

ومع بدء إعداد اللائحة التنفيذية للقانون، تبرز فرصة مهمة لترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والإفصاح المالي، بما يعزز ثقة المجتمع والمتبرعين والداعمين في هذه المؤسسات، ويرفع من كفاءتها وقدرتها على تحقيق أهدافها التنموية.

 

من وجهة المقترحات التي يمكن النظر فيها عند إعداد اللائحة التنفيذية:

  1. وضع إطار وطني موحد لحوكمة مؤسسات المجتمع المدني.
  2. إلزام المؤسسات بالإفصاح المالي والإداري بصورة دورية وفق معايير واضحة ومعلنة.
  3. إخضاع المؤسسات ذات الإيرادات أو الأصول الكبيرة للتدقيق المالي الخارجي المستقل.
  4. إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة لنشر التقارير السنوية والبيانات المالية والنتائج المحققة.
  5. تطوير مؤشرات لقياس الأثر المجتمعي الفعلي للمشروعات والبرامج المنفذة.
  6. تشجيع المؤسسات على بناء موارد مالية مستدامة من خلال الأوقاف والمشروعات الاستثمارية الخاضعة للرقابة والتنظيم.
  7. الاستفادة من الخبرات الوطنية في مجالات الحوكمة والإفصاح والرقابة المالية عند وضع المعايير المنظمة لعمل هذه المؤسسات.

وتطبيق مبادئ الحوكمة والإفصاح المالي على مؤسسات المجتمع المدني لا يهدف إلى زيادة الإجراءات الإدارية؛ بل إلى تعزيز الثقة وتحقيق أعلى درجات الشفافية والمساءلة القانونية، وضمان وصول الموارد إلى الأهداف التي خُصصت من أجلها، بما يحقق أفضل أثر ممكن للمجتمع.

إن نجاح هذا القانون لن يُقاس بعدد المؤسسات المسجلة فحسب؛ بل بقدرتها على تحقيق أثر حقيقي ومستدام في حياة الناس، ومدى التزامها بمبادئ النزاهة والكفاءة والشفافية في إدارة مواردها وبرامجها.

لقد وضع المرسوم السلطاني الأساس لهذا التحول المهم، وتبقى اللائحة التنفيذية فرصة تاريخية لبناء نموذج عُماني متقدم لمؤسسات المجتمع المدني يجمع بين الرسالة المجتمعية والاحتراف المؤسسي والحوكمة الرشيدة؛ بما يخدم الوطن والمواطن، ويعزز مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في تطوير مستمر لدولة المؤسسات والقانون وترسيخ التنمية المستدامة للأجيال القادمة.

شكرًا مولانا السلطان هيثم الأمين على هذا الوطن، ولحكومة جلالته الرشيدة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z