مظلة الحماية الاجتماعية

 

 

 

بدر الشندودي **

انطلق مسرعًا من ولايته إلى العامرة مسقط فرحًا منتشيًا بأحلام كانت تراوده صغيرًا بأن يأتي ذلك اليوم الذي يصبح فيه موظفًا يتقاضى راتبًا يلامس به أحلامه، فكانت تلك الفرصة الذهبية التي حظي بها ليكون أحد رجال قوات السلطان المسلحة. وكيف لا ينتشي وهو في الطريق الذي يمكنه من الدفاع عن تراب هذا الوطن الطاهر، لينهي تلك الإجراءات ويلتحق بها متدربًا، حاملًا بندقيته، يقسم بالله العظيم أن يكون مخلصًا للوطن والسلطان، ليبدأ الحياة العملية المليئة بالكفاح.

وكعادة أبناء عُمان، فأينما حل وارتحل، فهو تربى في بيئة معطاءة، فإن حمى تراب الوطن وترجل عن مدرعته، فهو يسلمها لغيره يواصل المشوار، ليجد نفسه راغبًا في المشاركة في رفعة الاقتصاد العُماني، وكانت الفرصة مواتية للالتحاق بالقطاع الخاص العُماني.

خرج مستقيلاً، وأنهى إجراءاته، ليتسلم مكافأة نهاية الخدمة، التي يتوجب استلامها لكون جهة العمل السابقة لا توجد بينها وبين جهة العمل اللاحقة إجراءات لضم تلك الخدمة، وكالعادة وبذات الهمة والنشاط، كان المسير في رحلة العمل بالقطاع الخاص العُماني.

بدأت نهضة عُمان المتجددة بقيادة السلطان هيثم بن طارق -أعزه الله- وكان خطابه نبراسًا يضيء سماء عُمان، وجاء في خطابه بمناسبة العيد الوطني الخمسين: "وجهنا بالإسراع في إرساء نظام الحماية الاجتماعية لضمان قيام الدولة بواجباتها الأساسية، وتوفير الحياة الكريمة لهم، وتجنيبهم التأثيرات التي قد تنجم عن بعض التدابير والسياسات المالية".

كم هو جميل أن تكون بداية النهضة المتجددة توجيهات سامية من لدن مولانا المعظم ترتكز على بناء منظومة ترسي نظام الحماية الاجتماعية، وكان ذلك بصدور قانون الحماية الاجتماعية الجديد رقم 52/2023، الذي استبشر الشعب به خيرًا، وهنا تعود للذاكرة لما مضى، وكيف لا، وها هو سلطان البلاد يصدر قانونًا يوحد الصناديق التقاعدية، بعدما كانت تفوق العشرة، أصبحت تحت مظلة واحدة.

كانت البشرى قد رسمت تفاصيلها على ذلك الشاب الطموح، فما بين بندقية كان يحملها وبين يدٍ يبني بها الاقتصاد العُماني، لاحت تلك السحابة المحملة بالخيرات، التي تمكنه من ضم السابق باللاحق، وكانت رحلة جديدة لصاحب الهمة، وها هو يدخل لمكتب جهة الإدارة، واضعًا القانون الجديد بيمينه ورسالة استلام مكافأة نهاية الخدمة بيساره، ليخرج رافعًا صدره ليخفي انكساره، مانعًا دمعته أن تنزل كيلا يقال: أيبكي الرجال؟ غصة تعتصر صدره، وكيف لا، والإجراءات لا تتم إلا بدفع مبلغ يفوق ما استلمه عشرات المرات، ووجب دفعه مقدمًا، أو مقدمًا والباقي أقساطًا، وتكون تلك السنوات لاحقة، أي أنها ستضاف بعد وصوله سن الستين، أي وصوله للتقاعد الإجباري.

يعود وحيدًا جالسًا متسائلًا: أيعقل ذلك؟ هل كانت مظلة الحماية الاجتماعية التي حلمت أن أستظل بظلها لم يأتِ دوري لتشملني؟ يا هذا ويا ذاك، لقد خدمت هذا الوطن، ولم يكن حلمي إلا أن تكون سنوات تلك الخدمة مجتمعة لتشكل خدمة سابقة تكون لي السند. أيعقل أنني قادر على هذا المبلغ المبالغ فيه؟ أيعقل أنني بعد هذه السنوات يتبخر حلمي، وأن تكون تلك السحابة التي رأيتها محملة بالخيرات هي سحابة عابرة مرت ولن تعود؟

آه يا هذا وذاك، كيف السبيل إلى حماية تكون لي سندًا في قادم الأيام؟

دمتم بود.

** باحث في الشأن العمالي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z