عباس الزدجالي
مع اقتراب موعد التوقيع على الاتفاق الأمريكي- الإيراني في جنيف يوم الجمعة، تتجه الأنظار إلى الطرف الأكثر امتعاضًا من هذا التطور: إسرائيل. فبينما تسوّق واشنطن الاتفاق باعتباره مخرجًا دبلوماسيًا يوقف الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقة، تنظر إليه أوساط واسعة في إسرائيل باعتباره تراجعًا عن الأهداف التي رُفعت منذ بداية المواجهة مع إيران.
الحرب التي قُدمت للرأي العام الإسرائيلي والدولي على أنها فرصة لإضعاف إيران بصورة حاسمة، انتهت -على الأقل حتى الآن- إلى نتيجة مختلفة. صحيح أن إيران تكبدت خسائر بشرية ومادية واقتصادية كبيرة، لكن نظامها السياسي بقي قائمًا، ومؤسساتها العسكرية والأمنية استمرت في العمل، وعادت طهران إلى طاولة المفاوضات بصفتها طرفًا تفاوضيًا لا دولة مهزومة تُملى عليها الشروط. ولهذا السبب جاء الغضب الإسرائيلي واضحًا منذ الإعلان عن التفاهمات الأولية. فالمعارضة الإسرائيلية رأت في الاتفاق دليلًا على تراجع نفوذ حكومة نتنياهو وعجزها عن التأثير في القرار الأمريكي، بينما اعتبرت أحزاب اليمين المتطرف أن الاتفاق لا يحقق الأهداف التي أعلنتها إسرائيل منذ بداية المواجهة مع إيران.
وأثار الاتفاق ردود فعل متباينة داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، عكست حجم الانقسام حول نتائجه وتداعياته المستقبلية.
في الولايات المتحدة، رأى ستيف بانون، أحد أبرز رموز التيار الشعبوي المحافظ، أن تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط يمثل أولوية للمصالح الأمريكية، محذرًا من الانجرار إلى صراع مفتوح قد يستنزف الولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
في المقابل، تبنى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام موقفًا أكثر تشددًا، معتبرًا أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يضمن معالجة التهديدات الأمنية بصورة كاملة، ومؤكدًا ضرورة استمرار الضغوط على طهران وعدم الاكتفاء بتسويات مؤقتة.
أما في إسرائيل، فقد كشفت ردود الفعل حجم الانقسام الداخلي؛ فالمعارضة بقيادة يائير غولان رأت في الاتفاق دليلًا على تراجع نفوذ حكومة بنيامين نتنياهو وعجزها عن التأثير في القرارات الأمريكية المتعلقة بأهم ملف أمني تواجهه إسرائيل. واعتبر غولان أن الاتفاق يمثل دليلًا إضافيًا على فشل القيادة الحالية في تحقيق أهدافها المعلنة، وأن إسرائيل وجدت نفسها أمام ترتيبات إقليمية كبرى من دون دور مؤثر في صياغتها.
وعلى الجانب الآخر، رفضت قوى اليمين واليمين المتطرف الاتفاق لأسباب مختلفة، معتبرة أنه لا يحقق الأهداف التي رفعتها إسرائيل خلال المواجهة مع إيران، ولا يضع حدًا نهائيًا للبرنامج النووي الإيراني أو القدرات الصاروخية لطهران أو نفوذها الإقليمي. كما حذر بعض قادة هذا المعسكر من أن الاتفاق قد يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها واستعادة قدراتها.
ويبدو أن المعضلة الإسرائيلية لا تتعلق فقط بمضمون الاتفاق؛ بل أيضًا بالرسالة السياسية التي يحملها؛ فنجاح واشنطن وطهران في التوصل إلى تفاهم، رغم أشهر من التصعيد والتهديد والعمليات العسكرية، يعني أن الخيار العسكري لم يفرض النتيجة التي كان يأملها دعاة الحسم في إسرائيل. كما أنه يمنح إيران فرصة إعلان الصمود في وجه ضغوط غير مسبوقة مارستها أقوى القوى العسكرية في العالم.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل سيصمد الاتفاق حتى موعد توقيعه؟
السوابق السياسية في المنطقة تشير إلى أن الأيام والساعات الأخيرة غالبًا ما تكون الأخطر؛ فالأطراف الرافضة لأي تسوية تسعى عادة إلى تغيير الوقائع على الأرض أو رفع سقف المطالب أو خلق أزمات جديدة من شأنها تعطيل المسار التفاوضي. وفي الحالة الراهنة، يخشى كثيرون أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة اختبار مبكر للاتفاق، خصوصًا إذا رأت إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري يمنحها فرصة لتحسين شروطها أو إضعاف خصومها قبل التوقيع.
وليس مستبعدًا أن تشهد المنطقة محاولات سياسية أو عسكرية لعرقلة الاتفاق أو إفراغه من مضمونه قبل أن يجف حبره، خاصة من قبل الأطراف التي ترى فيه تراجعًا عن الأهداف التي سعت إلى تحقيقها عبر الحرب. ومع ذلك، فإن نجاح أي محاولة من هذا النوع سيعتمد على مدى استعداد واشنطن للتمسك بالاتفاق ومنع انهياره قبل دخوله حيز التنفيذ.
وفي المقابل، يدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن انهيار الاتفاق قبل توقيعه سيُنظر إليه باعتباره فشلًا شخصيًا له بعد أن قدّم التفاهم باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا. لذلك تبدو واشنطن معنية أكثر من أي وقت مضى بمنع أي تصعيد قد ينسف المسار الجاري نحو جنيف.
وفي المحصلة.. قد يكون الاتفاق قد منح جميع الأطراف مخرجًا يحفظ شيئًا من ماء الوجه، لكنه لم يبدد أسباب الخلاف العميقة. فإيران ستعتبره دليلًا على صمودها وقدرتها على التفاوض من موقع الندية رغم الخسائر، وترامب سيقدمه كإنجاز دبلوماسي أنهى حربًا مكلفة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، أما إسرائيل فستجد نفسها أمام واقع سياسي جديد لم تكن تتطلع إليه.
وبينما يرى مؤيدو الاتفاق أنه دليل على فشل الحرب في تحقيق أهدافها القصوى، يرى معارضوه أنه يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها واستعادة قوتها. وبين هذين التقييمين المتناقضين تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن الحرب لم تنتج حسمًا نهائيًا لأي طرف، بل أعادت الجميع إلى طاولة السياسة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتفاق سيُوقّع يوم الجمعة فحسب؛ بل ما إذا كانت الأطراف المتضررة منه ستسمح له بأن يعيش بعد التوقيع؛ فالتاريخ يعلمنا أن أصعب مراحل أي اتفاق لا تكون عند التفاوض عليه، بل عند محاولة تنفيذه.
