محمد بن رامس الرواس
بينما تتنافس الموانئ العالمية على مكاسب عند تقديمها للأعمال اللوجستية للتجارة الدولية على ضفاف البحار والمحيطات بأرصفة موانئنا الكبرى، تتطلع موانئ السلطنة الكبرى صلالة وصحار والدقم لمستقبل واعد وبزوغ نهضة تنموية لخدمات بحرية زاهرة بالسلطنة، يرتفع فيه صوت الرافعات وحركة الحاويات التي تضخ الحياة في شرايين الاقتصاد العُماني والعالمي، وتتوفر آلاف الفرص من العمل لأبنائنا الشباب.
حققت السلطنة إنجازًا لوجستيًا بارزًا يعكس طموحاتها الاستراتيجية، حيث احتفت محافظة ظفار بتحقيق ميناء صلالة لمراتب متقدمة في التصنيفات العالمية، مؤكدة بذلك دوره المحوري كمركز ثقل في حركة التجارة والشحن الدولية.
إنجاز نوعي في مؤشرات الأداء، ووفقًا للتصنيف العالمي لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي بالتعاون مع مؤسسة "ستاندرد آند بورز جلوبال"، حصد ميناء صلالة المرتبة الثالثة عالميًا في مؤشر أداء موانئ الحاويات، ليتصدر بذلك المرتبة الأولى على مستوى الموانئ العربية.
هذا التصنيف لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى معايير دقيقة تقيس كفاءة الأداء التشغيلي للموانئ، شملت منها: وقت بقاء السفن في الميناء، وتوافر الأرصفة، وإنتاجية مناولة البضائع، وكفاءة عمليات ساحة التخزين، والأثر الاستراتيجي يتجاوز الحدود.
يؤكد هذا التميز الدور الاستراتيجي الذي يلعبه ميناء صلالة في دعم النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية، حيث يسهم هذا الإنجاز في ترسيخ مكانة الميناء كمركز محوري يربط خطوط الشحن العالمية ببعضها البعض.
ولا يقتصر الأثر على الجانب التشغيلي فحسب، بل يمتد ليعزز المكانة الدولية لميناء صلالة، ويدعم بشكل مباشر الرؤية الوطنية الرامية إلى تعزيز مكانة سلطنة عُمان كمركز لوجستي عالمي رائد، مما يفتح آفاقًا جديدة للاقتصاد الوطني ويعزز تنافسيته في السوق العالمية.
والتاريخ ينبئنا أن الموانئ العُمانية بمواقعها الجغرافية الاستراتيجية أكثر من مجرد مرافق لوجستية؛ إنها إرث لموانئ خدمت الحضارة الإنسانية، وقواعد انطلاق لرسائل خير ومحبة وسلام حملتها سواعد الأجداد عبر المحيطات. فلطالما كانت السلطنة، بموقعها الجغرافي الفريد، ترتاد سفنها المحيط الهندي العظيم، أكبر محيطات العالم، الذي تمر من خلاله 80 بالمائة من التجارة العالمية. إن السلطنة بحق تشبه الميناء الكبير الذي استوعب التنوع ولم يرفضه خلال تاريخه البحري العريق، واستوعب الثقافات ولم يذب فيها، وإن مدنها الساحلية مثل مسقط وصور وقلهات وصحار والبليد وسمهرم ومرباط، وغيرها الكثير، ليست مجرد تراث بحري، بل هي أرشيفٌ مفتوح يحكي قصص التبادل الحضاري والتجاري والثقافي؛ حيث كانت السفن العُمانية تغادر الموانئ العُمانية محملةً باللبان والعطر، وتعود بخيرات العالم. لذلك ستظل الموانئ العُمانية، بإذن الله تعالى، جديرة بالثقة العالمية في بواباتها البحرية، مجددة الثقة بالإنسان العُماني والجغرافيا التي يعيش عليها.
ختامًا.. إن قوة سلطنة عُمان الحقيقية لا تكمن في عمق غاطس سفنها في موانئها، بل في عمق تأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي. عُمان مثل الميناء الكبير، ليس فقط لأنها تملك منافذ بحرية متعددة، بل لأن العُماني يمتلك فقه التعامل مع البحر، الذي تعلم منه الصبر، والاتساع، والقدرة على استقطاب الجميع، والبراهين شاهدة على ذلك، والربابنة العظماء لا يزال التاريخ يستمد منهم عراقته وضياءه.
