اليأس الذي يزيدنا قوة

 

 

 

د. سعيد الدرمكي

ليس أخطر ما يواجه الإنسان أن يمر بلحظات يأس، بل أن يعتقد أن تلك اللحظات هي نهاية كل شيء.

اعتاد الناس أن ينظروا إلى اليأس باعتباره نهاية الطريق، فوصفه بعضهم بالموت البطيء، ورآه آخرون مرضًا يفتك بالروح قبل الجسد. لكن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا.

فاليأس ليس دائمًا سقوطًا نهائيًا، بل قد يكون لحظة يتوقف فيها الإنسان بعد رحلة طويلة من التعب والصراع. إنه حالة يشعر فيها بأن طاقته قد استنزفت، وأن عقله وقلبه لم يعودا قادرين على مواصلة السير بالوتيرة نفسها؛ فينعزل قليلًا عن ضجيج الحياة، ويبتعد عن الناس، ويغرق في عالمه الداخلي باحثًا عن معنى لما يمر به.

وفي تلك المرحلة يظن البعض أن كل شيء قد انتهى، بينما تكون النفس في الواقع تعيد ترتيب نفسها بصمت. إنها مرحلة يسود فيها الصمت الداخلي، حتى يظن الإنسان أن الحياة توقفت عن إرسال إشاراتها إليه.

لكن الحقيقة أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى التوقف بعد الإنهاك، تمامًا كما تحتاج الأرض إلى المطر بعد الجفاف. وقد لا يدرك وهو في خضم تلك اللحظات أن ما يعيشه ليس نهاية المطاف، بل استراحة فرضتها عليه ظروف الحياة قبل أن يستأنف رحلته من جديد.

ولكل شيء نهاية مهما طال بقاؤه أو اشتدت وطأته. فالألم ينتهي، والعواصف تهدأ، والليل يفسح الطريق للفجر. لكن السؤال الذي يواجه الإنسان في لحظات اليأس ليس متى تنتهي تلك المرحلة، بل كيف يريد أن يخرج منها؟ هل يجعلها مجرد محطة عابرة في رحلة حياته، أم يتوغل في أعماقها حتى تتحول إلى حفرة ضيقة يصعب عليه الخروج منها؟ إن الفرق بين الحالتين لا يكمن في قوة اليأس نفسه، بل في قدرة الإنسان على التمسك بخيط الأمل مهما بدا ضعيفًا، وإيمانه بأن ما يمر به اليوم ليس قدره الأبدي، بل فصل من فصول حياته التي لا تتوقف عند محطة واحدة.

وحين تنقشع غيوم اليأس، ينهض الإنسان بصورة مختلفة. لا يعود كما كان، بل أكثر وعيًا بنفسه، وأكثر فهمًا للحياة وتقلباتها. ينهض كالمحارب الذي خاض معارك كثيرة، ليس حبًا في القتال، بل بحثًا عن السلام. وقد أدرك أن القوة الحقيقية ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على النهوض بعد كل سقوط.

إن الحياة ليست دائمًا طريقًا مفروشًا بالنجاح والفرح، كما أنها ليست سلسلة متواصلة من الألم والمعاناة. فالورد، رغم جماله ورائحته العطرة وما يرمز إليه من حب وأمل وجمال، لا يقوم إلا على أغصان تحمل أشواكًا حادة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يبقى الورد في نظرنا رمزًا للجمال، أم أننا ننشغل بالشوك الذي يحيط به؟

كذلك هي الحياة؛ لا تُقاس بما يؤلمنا فحسب، ولا بما يسعدنا وحده، بل بمزيج من الأمرين معًا؛ فالألم قد يكون طريقًا للحكمة، كما أن الفرح قد يكون استراحة قصيرة قبل تحدٍ جديد. وما نظنه اليوم عثرة قد يكون غدًا درسًا، وما نراه اليوم نهاية قد يكون بداية لطريق جديد لم نكن نتوقعه.

والحياة ليست سراجًا يضيء الطريق على الدوام، كما أنها ليست ظلامًا دائمًا يحجب الرؤية، بل تتداخل فيها الأنوار والظلال، وتختلط فيها الأفراح بالأحزان، وتتعاقب فيها لحظات القوة والضعف كما تتعاقب الفصول على الأرض.

إنها بحر واسع، تتعاقب فيه الأمواج الهادئة والعواصف العاتية. ومن يتعلم السباحة في أوقات الهدوء، يستطيع النجاة عندما تشتد الأمواج. والأفضل من ذلك أن نتعلم السباحة اليوم قبل الغد، فاليوم الذي نملكه لا يخبرنا ماذا يخبئ لنا الغد، ولا أحد يعلم أيَّ ريحٍ ستهب في سماء حياتنا أو إلى أي شاطئ ستقودنا أمواج الحياة.

لذلك فإن اليأس، رغم قسوته، ليس دائمًا علامة وهنٍ أو نهاية. بل قد يكون أحيانًا محطة مؤقتة نتوقف فيها لنلتقط أنفاسنا، ونعيد اكتشاف ذواتنا، ونراجع مساراتنا، ثم نعود إلى الحياة أكثر قوة وحكمة وصلابة مما كنا عليه من قبل.

فليس كل ظلامٍ نهايةً للنور، بل قد يكون بدايةً لفجرٍ جديد. وليس كل يأسٍ هزيمة، بل قد يكون في بعض الأحيان البوابة التي نعبر منها نحو نسخةٍ أكثر نضجًا ووعيًا وقوة من أنفسنا. فما يظنه الإنسان نهاية الطريق قد يكون في الحقيقة بداية الطريق إلى ذاته الحقيقية. وعندما يلتفت إلى الوراء بعد سنوات، قد يدرك أن أكثر اللحظات التي ظنها قسوةً كانت هي نفسها اللحظات التي أعادت تشكيله، وصنعت منه إنسانًا أكثر حكمةً وصبرًا وقدرةً على مواجهة الحياة. ففي قلب كل محنةٍ بذرةُ قوة، وفي أعماق كل ظلامٍ شعاعُ نورٍ ينتظر من يكتشفه، وفي نهاية كل رحلةِ صبرٍ بدايةٌ لحياةٍ أكثر إشراقًا واتزانًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z