لماذا ترحل الكفاءات؟ عندما يُغلق المسار المهني وتُفتح أبواب المحاباة

 

 

د. علي بن حمدان البلوشي **

 

في عالم تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية والتقنية والإدارية، فإن نجاح المؤسسات لا يقاس بحجم أصولها المالية أو إمكاناتها التشغيلية فحسب، ولكن يقاس بقدرتها على استثمار رأس مالها البشري وتطويره والمحافظة عليه. فالإنسان هو العنصر الأكثر قيمة في أي مؤسسة، وهو القادر على تحويل الخطط والاستراتيجيات إلى إنجازات ونتائج ملموسة، ومن هنا تظهر أهمية دعم القيادة للمسار المهني للموظف باعتباره أحد أهم الأدوات الاستراتيجية التي تسهم في بناء كوادر مؤهلة وقادرة على تحقيق أهداف المؤسسة واستدامة نجاحها.

وعندما تمتلك المؤسسة مسارات مهنية واضحة لمختلف الوظائف، فإنها تمنح موظفيها رؤية مستقبلية محددة لما يمكن أن يصلوا إليه من مناصب ومسؤوليات، كما تساعدهم على تحديد المهارات والخبرات والمعارف التي يحتاجون إلى اكتسابها لتحقيق النمو والتقدم الوظيفي. ويؤدي ذلك إلى تعزيز الدافعية والإنتاجية والانتماء المؤسسي، ويحول التدريب والتطوير من أنشطة منفصلة إلى استثمار طويل الأمد يهدف إلى إعداد قيادات مستقبلية من داخل المؤسسة نفسها.

وقد أولى الإسلام عناية كبيرة بالعدل والإنصاف في الإدارة والقيادة؛ حيث جعل العدل أساس الحكم والإدارة وركيزة الاستقرار والنجاح. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58). كما حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على حسن معاملة العاملين والرفق بهم وتشجيعهم وتقدير جهودهم، وأكد أن المسؤولية أمانة وأن القائد مسؤول عن رعيته. ومن هذا المنطلق فإن القيادة الناجحة لا تقتصر على توزيع المهام ومتابعة الأداء، بل تشمل تمكين الموظفين وإتاحة الفرص العادلة لهم للتعلم والتطوير والترقي وفق معايير واضحة. وقد جسد الخلفاء الراشدون هذه المبادئ عمليًا، فكانوا يختارون المسؤولين وفق الكفاءة والأمانة ويحاسبونهم بعدل دون تمييز أو محاباة، وهو ما يؤكد أن بناء المؤسسات القوية يبدأ من العدالة في إدارة الإنسان.

وعندما تستثمر المؤسسات في تأهيل موظفيها وتدريبهم وصقل مهاراتهم وتوفير فرص النمو لهم، فإن من الطبيعي أن تمنح الأولوية للكفاءات الداخلية عند شغل الوظائف الإشرافية والقيادية. فالموظف الذي أمضى سنوات في التعلم واكتساب الخبرة وفهم ثقافة المؤسسة وقيمها وأنظمتها يكون غالبًا أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والاستمرار من شخص يتم استقطابه من الخارج دون معرفة عميقة ببيئة العمل. ولذلك ينبغي أن تستند خطط إنماء الموظفين إلى معايير واضحة وشفافة تقوم على الأداء والكفاءة والمهارات القيادية والمؤهلات العلمية والإنجازات المحققة والالتزام بالقيم المؤسسية والمشاركة الفاعلة في برامج التطوير والتدريب. وعندما يدرك الموظف أن تقدمه المهني مرتبط بهذه المعايير الموضوعية، فإنه يسعى باستمرار إلى تطوير ذاته وتحسين أدائه، مما ينعكس إيجابًا على المؤسسة بأكملها.

ورغم وضوح أهمية المسار المهني، إلّا أن العديد من المؤسسات تواجه تحديات عند تطبيقه، من أبرزها ضعف التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية، ومحدودية الموارد المخصصة للتدريب والتطوير، وغياب أنظمة دقيقة لقياس الأداء، إضافة إلى مقاومة التغيير أو تغليب الاجتهادات الشخصية على المعايير المؤسسية. كما تشكل المحاباة والعلاقات الشخصية أحد أكبر العوائق أمام نجاح استراتيجيات المسار المهني، لأنها تقوض الثقة وتضعف الإيمان بمبدأ تكافؤ الفرص. ولذلك فإن معالجة هذه التحديات تتطلب وجود حوكمة فعالة، وأنظمة شفافة للترقيات والتعيينات، وربط التطوير الوظيفي بخطط التعاقب الوظيفي والاحتياجات المستقبلية للمؤسسة، إلى جانب تعزيز ثقافة العدالة والمساءلة على جميع المستويات الإدارية.

ومن المؤسف أن بعض المؤسسات تقع في تناقض واضح بين ما تعلنه من خطط لتطوير الكفاءات وما تمارسه فعليًا عند شغل المناصب العليا. فكثيرًا ما يتم تشجيع الموظفين على الالتحاق بالبرامج التدريبية وتطوير قدراتهم وإعدادهم للمستقبل القيادي، ويتم إبلاغهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأنهم جزء من خطط التعاقب الوظيفي والمسار المهني للمؤسسة، إلّا أنهم يتفاجؤون عند شغور المناصب القيادية بتعيين أشخاص من خارج المؤسسة رغم وجود كوادر مؤهلة ومدربة وذات خبرات متراكمة تستحق تلك الفرص. وتزداد خطورة الأمر عندما يتولد لدى العاملين انطباع بأن المرشح الخارجي كان الخيار المفضل منذ البداية وأن إجراءات المنافسة لم تكن سوى إجراءات شكلية لإضفاء المشروعية على قرار تم اتخاذه مسبقًا.

وفي مثل هذه الحالات لا تتضرر الكفاءات الفردية فقط، بل تتضرر المؤسسة نفسها، حيث تتراجع مستويات الثقة بالقيادة، ويضعف الولاء المؤسسي، وتنخفض الحماسة تجاه برامج التدريب والتطوير، ويبدأ الموظفون المتميزون في البحث عن فرص أكثر عدالة في مؤسسات أخرى تقدر جهودهم وتمنحهم فرصًا حقيقية للنمو. كما تخسر المؤسسة خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة واستثمرت فيها موارد مالية وبشرية كبيرة، لتنتقل هذه الخبرات إلى جهات منافسة نتيجة شعور أصحابها بالإحباط وفقدان العدالة.

إنَّ القيادة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إصدار القرارات، وإنما بقدرتها على بناء الثقة وترسيخ العدالة وتحقيق التوازن بين مصلحة المؤسسة وتطلعات العاملين فيها. فالمؤسسات التي ترغب في المحافظة على كفاءاتها وتحقيق الاستدامة يجب أن تجعل المسار المهني جزءًا أصيلًا من استراتيجيتها، وأن تضمن وضوح معايير الترقية والتعيين، وأن تمنح الأولوية للكفاءات الداخلية المؤهلة قبل اللجوء إلى الاستقطاب الخارجي، وأن تخضع جميع القرارات المتعلقة بالموارد البشرية للشفافية والمساءلة. وعندما يشعر الموظف بأن جهده مقدر وأن فرصه في التقدم الوظيفي تعتمد على الجدارة والكفاءة لا على العلاقات والمجاملات، فإنه يقدم أفضل ما لديه بإخلاص وانتماء. أما عندما تغيب العدالة وتحضر المحاباة، فإن المؤسسة قد تنجح مؤقتًا في شغل وظيفة أو منصب، لكنها تخسر على المدى البعيد أهم أصولها، وهو رأس المال البشري الذي يشكل أساس النجاح الحقيقي لأي مؤسسة تسعى إلى التميز والاستدامة.

** مستشار أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z