صالح بن سعيد الحمداني
منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض وهو يسعى لترك أثر بعد رحيله، يتغير شكل الأثر بتغير العصور فقد يكون بيتًا أو قصيدة، أو إنجازًا علميًا، أو حتى مجرد ذكر طيب، ولكن الحقيقة الثابتة أن الذاكرة الإنسانية لا تحفظ الوجوه طويلًا بقدر ما تحفظ المواقف، فكم من وجوه مرت أمامنا ثم تلاشت ملامحها من ذاكرتنا، بينما بقي موقف بسيط لشخص ما عالقًا في قلوبنا، يضيء حاضرنا كلما تذكرناه، الوجوه قد تُنسى والعمر يذيب تفاصيلها، لكن المواقف تبقى كالنقوش على جدار القلب، الإنسان يتذكر من وقف بجانبه في لحظة ضعف، ومن ابتسم له وهو يمر بأزمة، ومن مدّ له يدًا حين كان غارقًا في ظلام، هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها هي في الحقيقة أعظم ما يتركه المرء وراءه.
ولذلك جاء في القول المأثور "قد تنسى الناس ما قلت وما فعلت، لكنهم لا ينسون كيف جعلتهم يشعرون"، حين يُذكر شخص بعمل شريف أو موقف إنساني، فإن ذكره يتجاوز حياته ليصل إلى ما بعد رحيله، والأمثلة كثيرة منها ذلك الطبيب الذي يسهر على مرضاه بإخلاص، المعلّم الذي يغرس القيم قبل العلم، الجار الذي يهب لمساعدة جاره دون انتظار مقابل، الصديق الذي يخفف عن صاحبه في محنته، فهذه المواقف لا يطويها الزمن إنما تبقى شاهدة على أصالة أصحابها.
الناس قد يختلفون في أديانهم وثقافاتهم ولغاتهم، لكنهم يتفقون جميعًا على تقدير الإنسان الذي يقف مواقف مشرفة، لأنه يمسّ إنسانيتهم المشتركة، ومن أعظم ما يجنيه صاحب المواقف الخالدة أن ذكراه لا تقتصر على الحديث الحسن لكنها تمتد لتتحول إلى دعاء صادق يصل إليه بعد رحيله، فقد يمر إنسان بذكرى موقف مشرف فيدعو لصاحبه بالرحمة أو بالخير، فيكون ذلك الدعاء سببًا لرفع درجاته وهو في قبره، وهنا تتجلى قيمة المواقف فهي لا تمنح صاحبها تقديرًا وقتيًا فقط فهي في الحقيقة تتحول إلى رصيد ممتد في الدنيا والآخرة، والتاريخ البشري حافل بأسماء أشخاص ربما لم يكونوا أصحاب جاه أو ثروة، لكنهم تركوا مواقف عظيمة جعلت ذكرهم خالدًا، نتذكر مواقف قادة دافعوا عن شعوبهم بصدق، أو علماء بذلوا علمهم للناس، أو أمهات ضحين براحة أنفسهن من أجل أبنائهن.
وعلى الجانب الآخر نلاحظ أن كثيرًا من أصحاب المناصب أو الأموال تلاشى ذكرهم سريعًا، لأنهم لم يتركوا مواقف مشرفة تحفر أسماءهم في ذاكرة الأجيال، وقد يتساءل البعض هل المواقف الخالدة حكر على العظماء وحدهم؟ الجواب نجده قطعًا "لا"، فالموقف العظيم قد يكون في أبسط صورة، أن تُنقذ شخصًا محتاجًا، أن تساند يتيمًا بكلمة، أن تُدخل السرور على قلب حزين، كلها مواقف قد يراها البعض عابرة لكنها تُخلّد في قلب من عاشها.
المعيار ليس ضخامة الفعل وإنما صدق النية وطيب الأثر، فقد ينسى المرء وجهًا رآه مرة واحدة، لكنه لا ينسى أبدًا شخصًا منحه كلمة طيبة في لحظة كان بأمس الحاجة إليها، في عالم اليوم الذي تسيطر فيه السرعة والمظاهر، ينسى كثيرون قيمة المواقف البسيطة، ينشغل الناس بجمع المال، أو بإظهار صورتهم على منصات التواصل، بينما يغفلون أن ما سيبقى بعد رحيلهم ليس عدد المتابعين ولكنه ذلك الموقف الإنساني الذي تركوه خلفهم، وإن مسؤوليتنا الأخلاقية أن نعيد الاعتبار لهذه القيمة، وأن نسعى لنكون أصحاب أثر لا يُنسى، فالأجيال القادمة لا تحتاج إلى صورنا بقدر ما تحتاج إلى سيرتنا، وحين نراجع ذاكرتنا نجد أن أسماء كثيرة مرت في حياتنا ثم غابت، لكن المواقف وحدها ما زالت تعيش معنا، نتذكر مثلًا المدرس الذي شجعنا في طفولتنا، أو الجار الذي وقف معنا في مرض، أو الصديق الذي لم يتخلَّ عنا في محنة، هذه الذكريات لا يمكن لها أن تتأثر بمرور السنين وإنما تزداد بريقًا كلما تقدم بنا العمر.
ولذلك فكل إنسان مدعو اليوم أن يسأل نفسه "ما الموقف الذي سيبقى من بعدي"، وإن الذاكرة لا تحفظ تفاصيل الوجوه بقدر ما تحفظ المواقف، وما يخلّد الإنسان أثره الذي يتركه وليس صورته، فلنحرص أن نكون أصحاب مواقف مشرفة تُذكر بالخير بعد رحيلنا، وتظل شاهدة على إنسانيتنا، وحين يُذكر اسمنا، ليت الدعاء يكون هو اللغة التي تصلنا من قلوب من عرفونا، فالأثر الطيب هو الخلود الحقيقي، والموقف الشريف هو البصمة التي لا يمحوها الزمان.
