عادل الحمداني**
تحدثنا في الجزء الأول من هذه السلسة عن الثقة التي تحظى بها بعض المؤسسات والمنصات الإخبارية والمؤسسات الرسمية لدى المتلقين نتيجة التزامها بمعايير المصداقية والموضوعية والاتزان في المحتوى الذي تقدمه، وتوقفنا عند تساؤل فرضه التدفق المعلوماتي والانتشار متعدد المصادر في الفضاء الإلكتروني حول قدرة الأخبار الرسمية على صنع ثقة المجتمع في ظل التحول الرقمي المتنامي في العالم.
وحقيقة، فإنَّ هذا السؤال يفرض نفسه على مشهد العمل الإعلامي، وأن الإجابة عليه لابد أن تراعي مفهومين أساسيين يشكلان عصب التجربة الإعلامية الناجحة وهما: الشفافية والمصداقية. المفهوم الأول، يقودنا لتأمل ما تُقدمه الأخبار الرسمية من إمكانية الوصول السهل للقرارات والسياسات الحكومية، لتصنع بذلك جسرا من الفهم والإدراك يربط مختلف المؤسسات بالمواطنين، وتقلص من خلال ما تقدمه الفجوة المعلوماتية. وفي هذا السياق، دعت العديد من البحوث العلمية إلى ضرورة التزام وسائل الإعلام العُمانية بدورها في التوعية والتحليل. وقد أكدت دراسة الباحثة حنان بنت محمود بعنوان "اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام العُمانية في الإمداد بالمعلومات حول القضايا المجتمعية لدى الجمهور"، أكدت على أهمية بناء جسور التواصل مع المواطنين، ودعت إلى تعزيز الدور التوعوي لوسائل الإعلام المحلية في تناول القضايا المجتمعية وتحليلها ومناقشتها بصورة أعمق. واعتبرت الدارسة أن القيام بذلك من شأنه أن يُسهم في تشكيل رؤية المجتمع تجاه قضاياه، ويدعم قدرته على فهم القضايا المجتمعية والمشاركة في إيجاد حلول لها (1).
أما المصداقية، فيمكن اعتبارها الجزء المهم الآخر في بناء ثقة الجمهور كونها أحد الاحتياجات الجماهيرية لإيجاد وسيط إعلامي ذو أهمية. كما أن المصداقية الرصيد الحقيقي لأي وسيلة إعلامية ناجحة؛ ففي حين تنجح بعض الوسائل في استقطاب أعداد كبيرة من المتابعين وإثارة انتباههم من خلال الإثارة والتشويق، إلا أنها لا تستطيع المحافظة عليهم لوقت طويل إذا ما تبين لأولئك المتابعين افتقارها للمصداقية والشفافية.
وهنا يأتي دور المؤسسات المتزنة التي لا تقبل بالإثارة وخداع المتلقين. ويمكن الإشارة إلى مقال في موقع "أي عربي" بعنوان "ما هو تأثير المصداقية على الإعلام الإخباري وأهميتها" الذي يرى أن المصداقية تساعد على زيادة تقبل الجمهور للمحتوى الإخباري وتساهم في تعزيز مكانة أي وسيلة إعلامية لتكون المصدر الموثوق للمعلومات (2).
ويُنظر لمسألة الأمانة والصدق والموضوعية باعتبارها مسائل رئيسية عند التعاطي الإعلامي عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وهذا ما أكد عليه التحقيق الصحفي الذي أعدته وكالة الأنباء العُمانية حول "التفاعل المسؤول في منصات التواصل الاجتماعي"، والذي خلص إلى أن المصداقية تسهم في تعزيز الثقة وتقليص الفجوات المعرفية ومواجهة التحديات وإيجاد حلول عملية لمختلف قضايا المجتمع (3). البعض يذهب إلى تشبيه الشفافية والمصداقية بجناجي طائر؛ فمن غير الممكن لأي خطاب إعلامي أن يحظى بثقة الجمهور إذا تخلى عن أحدهما. كما أن التخلي عن هذين الجناحين يعني انتشار الشائعات كانتشار الأعشاب البرية في الأرض المهملة.
هذا الأمر يقودنا للحديث حول قدرة الأخبار الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية على التصدي للمعلومات المضللة، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الدور يكون حتميا في ظل وجود إعلام رسمي يقدم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب. وبحسب التحقيق الصحفي لوكالة الأنباء العُمانية، سابق الذكر، فإن المؤسسات الحكومية في سلطنة عُمان تبنت فلسفة المشاركة المجتمعية في صنع القرارات من خلال الجلسات الحوارية والمنتديات والملتقيات وقنوات التواصل المؤسسي المختلفة. هذه المبادرات تقدم للمواطنين فرصة المشاركة والفهم وإبداء الرأي ومناقشة المسؤولين والانخراط في صنع القرار، وكل ذلك ينعكس إيجابًا على جودة وسرعة التنفيذ.
**********
المراجع
- دراسة أكاديمية للباحثة حنان بنت محمود بعنوان "اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام العُمانية في الإمداد بالمعلومات حول القضايا المجتمعية لدى الجمهور".
- مقال بعنوان "ما هو تأثير المصداقية على الإعلام الإخباري وأهميتها". نشره موقع "أي عربي" الإلكتروني بتاريخ 28 يونيو 2022.
- تحقيق صحفي لوكالة الأنباء العُمانية حول "التفاعل المسؤول في منصات التواصل الاجتماعي" ونشرته الصحف المحلية بتاريخ 28 ديسمبر 2025.
** كاتب وإعلامي عُماني
