عُمان تدخل نادي المراكز المالية العالمية

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

يُجسّد الأمر السامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بتسمية أعضاء مجلس إدارة مركز عُمان المالي العالمي برئاسة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، رؤيةً استراتيجيةً بعيدة المدى تستهدف ترسيخ مكانة سلطنة عُمان على خارطة المال والاستثمار العالمية.

ويعكس هذا التوجيه السامي حرص القيادة الحكيمة على مواصلة مسيرة التحديث الاقتصادي، وتهيئة البيئة المُناسبة لاستقطاب الاستثمارات النوعية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، مستندةً إلى ما حققته السلطنة خلال السنوات الماضية من تطور ملحوظ في بنيتها الأساسية وتحسن في مؤشرات الأداء الاقتصادي وثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.

ويأتي الإعلان عن مركز عُمان المالي العالمي في توقيت بالغ الأهمية؛ حيث تتسارع التحولات الاقتصادية والمالية على المستوى الدولي، وتزداد المنافسة بين المراكز المالية الإقليمية والعالمية لاستقطاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى والمؤسسات الاستثمارية. ومن هذا المنطلق، تسعى سلطنة عُمان إلى تعزيز حضورها في المشهد الاقتصادي العالمي عبر مشروع نوعي يعكس طموحاتها التنموية ويواكب مستهدفات رؤية عُمان 2040.

ويمثل إنشاء مركز عُمان المالي العالمي محطة استراتيجية جديدة في مسيرة التنمية الاقتصادية التي تشهدها سلطنة عُمان في ظل النهضة المتجددة، حيث يأتي هذا المشروع الطموح ليُعزز من قدرة السلطنة على المنافسة في القطاع المالي والاستثماري، ويؤكد توجهها نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام قادر على مواكبة المتغيرات العالمية واستثمار الفرص المستقبلية.

ومنذ تولي جلالة السلطان المفدى- أيده الله- مقاليد الحكم في يناير 2020، شهدت السلطنة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية الهادفة إلى تعزيز كفاءة الأداء الحكومي، وتطوير البيئة الاستثمارية، وتحسين إدارة المالية العامة، وترسيخ مبادئ الحوكمة والاستدامة المالية. وقد أسهمت هذه الإصلاحات في تعزيز ثقة المؤسسات الدولية بالاقتصاد العُماني، ووفرت أرضية قوية للانطلاق نحو مرحلة جديدة من النمو والتنويع الاقتصادي.

وخلال السنوات الماضية، نجحت سلطنة عُمان في تحقيق نتائج اقتصادية لافتة انعكست في تحسن التصنيفات الائتمانية الصادرة عن المؤسسات الدولية، وانخفاض مستويات الدين العام، وتحقيق مؤشرات مالية أكثر استدامة، فضلًا عن تنامي الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتزايد الثقة العالمية في البيئة الاستثمارية العُمانية. وهذه الإنجازات لم تأتِ من فراغ، بل كانت ثمرة رؤية واضحة وإدارة اقتصادية رشيدة استطاعت تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو.

ويأتي مركز عُمان المالي العالمي كأحد المشاريع الاستراتيجية الداعمة لهذا التوجه، إذ يهدف إلى استقطاب المؤسسات المالية والاستثمارية العالمية، وتوفير بيئة أعمال متطورة تتسم بالكفاءة والمرونة والتنافسية، بما يعزز من مكانة السلطنة كمركز إقليمي للخدمات المالية والاستثمارية. كما يسعى المركز إلى جذب رؤوس الأموال والخبرات العالمية، وتشجيع الابتكار المالي والتقنيات الحديثة، وتوفير فرص عمل نوعية للكفاءات الوطنية، بما يسهم في نقل المعرفة وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به سلطنة عُمان، والذي يربط بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والخليجية، إضافة إلى ما تتميز به من استقرار سياسي وتشريعي وعلاقات دولية متوازنة جعلتها محل تقدير واحترام في مختلف المحافل الدولية. كما تمتلك السلطنة منظومة متكاملة من الموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية الخاصة والحرة، وهي عناصر تمنحها ميزة تنافسية تؤهلها للعب دور أكبر في حركة التجارة والاستثمار الإقليمية والدولية.

ويعكس الاختيار السامي لصاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد لرئاسة مجلس إدارة المركز، حجم الاهتمام الذي توليه الدولة بهذا المشروع الوطني، كما أن وجود نخبة من القيادات الاقتصادية والمالية والتنظيمية ضمن مجلس الإدارة يمنح المشروع زخمًا مؤسسيًا كبيرًا، ويعزز من فرص نجاحه في تحقيق أهدافه الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة.

ولا شك أن نجاح أي مركز مالي عالمي يرتبط بقدرته على بناء بيئة تشريعية وتنظيمية مرنة ومواكبة للتطورات الدولية، واستقطاب المؤسسات المالية الكبرى، وتوفير الخدمات المتخصصة التي تلبي احتياجات المستثمرين. وعُمان تمتلك اليوم العديد من المقومات التي تؤهلها لتحقيق هذه الأهداف، خاصة مع استمرار جهود تطوير الأنظمة والقوانين وتحسين بيئة الأعمال ورفع كفاءة المؤسسات الاقتصادية.

إن مركز عُمان المالي العالمي ليس مجرد مشروع اقتصادي جديد؛ بل يمثل رسالة واضحة بأن السلطنة ماضية بثقة نحو ترسيخ مكانتها ضمن الاقتصادات الأكثر جاذبية للاستثمار في المنطقة. كما أنه يعكس انتقال عُمان إلى مرحلة جديدة من الحضور المالي الدولي، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وإرثها من الاستقرار والانفتاح والتوازن في علاقاتها مع مختلف دول العالم.

وفي ظل التحسن المتواصل للمؤشرات الاقتصادية والمالية، وارتفاع التصنيفات الائتمانية لسلطنة عُمان، وتعاظم ثقة المؤسسات المالية والاستثمارية العالمية بمتانة الاقتصاد العُماني وقدرته على النمو، يبرز مركز عُمان المالي العالمي كمشروع استراتيجي يحمل آفاقًا واعدة للمستقبل؛ فالمركز لا يمثل مجرد إضافة إلى المنظومة الاقتصادية، بل يشكل منصة متقدمة لتعزيز تدفق الاستثمارات واستقطاب الشركات والخبرات العالمية، مستندًا إلى بيئة تشريعية مستقرة ورؤية تنموية واضحة.

ومع استمرار النجاحات التي تحققها السلطنة في مسار الإصلاح الاقتصادي، فإن هذا المشروع مرشح لأن يكون أحد أبرز المحركات الداعمة للنمو والتنويع الاقتصادي، وأن يسهم في ترسيخ مكانة عُمان كمركز مالي واستثماري موثوق على المستويين الإقليمي والدولي، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني ويعزز مسيرة الازدهار والتنمية المستدامة، ويؤكد أن مسقط باتت اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى أن تكون بوابة نحو عالم المال والاستثمار.

الأكثر قراءة

z