عُمان.. موقف الثبات وقبلة السلام

 

 

 

 

إدريس بن علي السعيدي

idris.alsaidi@kg.om

تميزت سلطنة عُمان عبر تاريخها الطويل، وعمقها الحضاري، بنهج سياسي فريد، وبأخلاق وثوابت راسخة في تعاملها مع قضايا العالم ومحيطها الإقليمي، هذه المدرسة الدبلوماسية العُمانية العريقة لم تكن في يوم من الأيام خاضعة للمصالح المؤقتة أو الحسابات السياسية الضيقة، بل انطلقت من مبادئ وقيم أصيلة ترتكز على الحياد الإيجابي، وحسن الجوار، وصناعة السلام الحقيقي.

ومن هذا المنطلق؛ يدرك المجتمع الدولي أجمع أن السياسة والنهج العُماني يمثلان دائمًا وأبدًا موقف الثبات الراسخ في وقت الأزمات والتحولات، والوجهة الآمنة وقبلة السلام المقصودة لدى الجميع لتهدئة النفوس، وحل الخلافات، وتقريب وجهات النظر مهما بلغت تعقيداتها، على هذا قامت السياسة العُمانية، وبهذا تمكنت سلطنة عُمان من إيجاد قاعدة دولية متينة يرتكز عليها العالم في وقت النزاعات والخلافات، ويستمد هذا النهج قوته من الإرث السياسي العُماني الذي يقوم على الحكمة والاتزان.

وأثبتت الأيام أن مواقف سلطنة عُمان لا تتغير بتغير الظروف؛ بل تزداد ثباتًا ووضوحًا؛ لأنه مَن يعرف أنه يسير على ركائز راسخة لا تهزه العواصف، ولا تبدله التحولات العابرة. ويظهر هذا الثبات العُماني بكل وضوح من خلال الموقف الراسخ من القضية الفلسطينية؛ فالواضح هنا لا يُوضح، إذ تقف عُمان قيادةً وشعبًا، موقفًا نبيلًا لا يتزحزح في دعم حقوق الشعب الفلسطيني، وترفض كل أشكال التطبيع، وفي كل المحافل الدولية تؤكد عُمان باستمرار على ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا الوضوح العُماني ينبع من إيمانٍ بأن الأمان في المنطقة لن يتحقق إلا بإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم كاملة.

وبالنظر إلى التحديات الجغرافية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، يبرز الدور العُماني المسؤول في التعامل مع أحد أهم الممرات المائية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يُعد ممرًا مائيًا دوليًا تتقاسمه جغرافيًا سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتُنظَّم الملاحة فيه وفق القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وتدير سلطنة عُمان الجزء الواقع ضمن نطاقها السيادي بكفاءة ومسؤولية، انطلاقًا من التزامها الراسخ بضمان سلامة الملاحة البحرية، واستقرار حركة التجارة الدولية، وأمن إمدادات الطاقة العالمية، هذا الالتزام يؤكد أن سلطنة عُمان لا يمكن أن تكون حاجزًا أمام مبادئ السلام والأمن الدوليين؛ بل هي ملاذ الطالبين والساعيين لهذا السلام.

ويؤكد على ذلك نهج عُمان المتزن القائم على الحكمة والدبلوماسية، حيث لا تنطلق أدوارها من منطق الصراع أو التدخل في النزاعات، بل من السعي نحو تقريب وجهات النظر وتهيئة المسارات التي تُمكّن الأطراف المختلفة من الوصول إلى حلول سلمية عبر الحوار والتفاوض. ولذلك تواصل السلطنة دعم كل الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، وإبعاد الممرات البحرية الحيوية عن التوترات والتجاذبات السياسية والعسكرية، إيمانًا منها بأن الأمن والاستقرار والازدهار المشترك لا يتحقق إلا من خلال التفاهم والتعاون واحترام القانون الدولي، وبذلك يظل مضيق هرمز ممرًا عالميًا للتواصل، والتجارة والتنمية، لا ساحةً للصراعات التي تهدد أمن المنطقة والعالم.

وفي ظل التوترات المحيطة بالمنطقة، ولا سيما الأزمات المعقدة المرتبطة بالملف الإيراني ومخاطر الحروب التي يمتد أثرها إلى كثير من الدول ليعيد تشكيل التاريخ ومسارات الاقتصاد العالمي بشكل مختلف عما تعوّد عليه الكثيرون، تجد أن العُمانيين يواجهون الأحداث بمزيد من الصلابة والثبات، والالتفاف حول القيادة، والتعويل على المبادئ الراسخة، لا على تبدل الأحوال والمواقف.

وختامًا.. إن سلطنة عُمان تنطلق من قاعدة ذهبية تجعل من لغة الحوار والمفاوضات خيارًا إستراتيجيًا يتقدم على لغة السلاح والحروب؛ إيمانًا منها بأن الصراعات لا رابح فيها، وأن تغذية النزاعات تدمر المكتسبات، وتستنزف موارد الأمم، وبفضل هذا المنهاج الذي تلتزم به سلطنة عُمان، والقبول الذي تحظى به من جميع الأطراف، نجحت الدبلوماسية العُمانية في كثيرٍ من المرات في فتح قنوات التواصل المغلقة، وتقريب وجهات النظر المتباعدة، مؤكدةً على نجاح القوة العُمانية كصوت للحق والعقل، ونموذج فريد للرشد والاتزان.

ومواقف سلطنة عُمان السياسية هي انعكاس حقيقي لنهجنا ومبادئنا الراسخة التي لا تتغير بتغير الأزمان، وستبقى عُماننا دائمًا كما أراد لها سلطانها؛ عنوانًا للاتزان، ومنبرًا للحق، وموقفًا للثبات، وقبلةً حقيقية للسلام الإنساني الذي ينشر الأمان في عالم يمر بكثير من التحولات الفكرية والسياسية الصعبة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z