حمد الناصري
لم يكن التشبيه الذي ساقته الإعلامية والباحثة الأكاديمية إيمان الحمود، حين وصفت سلطنة عُمان بـ"القلعة في لعبة الشطرنج" عبر شاشة "فرانس 24"، مجرد استعارة أدبية عابرة، بل هو تفكيك بنيوي دقيق لسياسة خارجية دأبت على صياغة معادلات الاستقرار بعيدًا عن صخب الانفعال، لا سيما في ظل الأزمة الراهنة التي تشهدها منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط من تصاعد للتوترات العسكرية والتهديدات التي تمس أمن الملاحة الدولية.
ففي الشطرنج، قد تتسارع بقية القطع نحو مواجهات مبكرة تُحرق فيها الأوراق وتُستنزف الطاقات، بينما تظل القلعة ركيزة صلبة تحمي العمق وتؤمّن الخطوط، حتى إذا بلغت الأزمة ذروتها وتكشّفت الرقعة، ظهرت كقوة حاسمة لا غنى عنها لحسم النهايات وإعادة ترتيب المشهد.
إن البراهين على ثقل هذه "القلعة الجيوسياسية" تتجلى عمليًا في خضم الأزمة الملاحية الجارية في مضيق هرمز عند بوابة "رأس مسندم" الاستراتيجية؛ ففي الوقت الذي تعصف فيه رياح التصعيد العسكري بالمنطقة، تحركت الدبلوماسية العُمانية بمقترحات استراتيجية بالغة الدقة لتنظيم وحماية حركة العبور والشحن عبر مسارات منفصلة ومؤقتة، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية.
وهذا التحرك يجسد العقيدة السياسية الأصيلة التي تتبناها السلطنة تاريخيًا وإرثًا ورشدًا في تفكيك الأزمات، فـ"الحكمة عُمانية أينما وليت بوجهك شرقًا أو غربًا".
وقد تجلت هذه العقيدة بوضوح في تأكيدات وزير الخارجية العُماني السيد بدر البوسعيدي على التزام السلطنة الكامل بـ"اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982" (UNCLOS 1982)، وضمان حرية الملاحة دون رسوم.
إذ إن هذه الاتفاقية، بأسبابها ودوافعها الكبرى، صيغت لتشكل "دستورًا للبحار العميقة والمفتوحة"، يمنع تغوّل القوى الكبرى أو فرض جباية الرسوم في الممرات الطبيعية الدولية، مستبدلة المفاهيم العرفية القديمة بنظام "المرور العابر" (المادة 38)، وهو حق أصيل لا يجوز تعليقه أو إيقافه أو تجاهله.
ومن هذا المنطلق، تلتزم سلطنة عُمان بما ألزمت به نفسها، تماشيًا مع القوانين الدولية والاتفاقيات الأممية؛ إذ لا تمثل هذه الاتفاقية لمسقط مجرد نص جامد، بل هي أداة حماية استراتيجية تُستخدم في مواجهة أي محاولة لتدويل المضيق أو عسكرته.
وقد دعا معاليه إلى نظام أمني خليجي متكامل، ينتقل بالمنطقة من سياسات الاحتواء والعزل إلى فضاء الاستقرار المستدام، مشيرًا بوضوح إلى أن أخطر التهديدات لأمن الخليج إنما تأتي من قرارات وأفعال خارجية، وتحديدًا من تل أبيب؛ تلك الغصة المزروعة في كياننا العربي بمباركة الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا تفتأ تذكّرنا بالقوانين الدولية والاتفاقيات الأممية والتلويح بها، في مفارقة صارخة إذا ما داهمتها أو أربكتها غصة إسرائيلية.
ومن عمق القراءة التحليلية الكبرى لهذه الأزمة، يصف بعض الخبراء الاستراتيجيين في معهد "تشاتام هاوس" الملكي ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن الدور العُماني بأنه "دبلوماسية التوازن المستحيل".
وهي دبلوماسية تتجلى في الحكمة العُمانية الرشيدة، حيث تقف مسقط بعنفوانها التاريخي الأصيل لتحثّ كل ذي لُب، انطلاقًا من عمقها الإيماني وحكمتها التاريخية الثابتة، على ترسيخ نهج الحوار والتفاهم، مدفوعة بقدرتها الفذة على ممارسة العمل الدبلوماسي الموثوق.
ويتجسد ذلك جليًا فيما تقوم به في ملفات الإقليم الخليجي، لا سيما بين واشنطن وطهران، من جهود تهدف إلى تهدئة الأزمات المستعصية ومنع انهيار التفاهمات السياسية.
إن الرهان على سلطنة عُمان اليوم في صياغة معاهدات عدم الاعتداء الإقليمية هو رهان على نهج أكثر أمانًا؛ ذلك لأن مسقط لا تبني مواقفها على ردود الأفعال اللحظية، بل تتحرك وفق إرث حضاري يرى في الهدوء السياسي ذروة القوة، وفي الحنكة الدبلوماسية أداة للاستقرار والحسم حين تنغلق مسارات التفاوض.
خلاصة القول: إن "القلعة العُمانية" تثبت تاريخيًا وعمليًا، في قلب أزمة الشرق الأوسط الحالية، أن القوة الحقيقية في عالم السياسة لا تُقاس بضجيج المواقف وارتفاع الأصوات، بل بالقدرة على صون التوازنات ومنع الانهيارات الكارثية.
وحين تضيق خيارات الحلول الإقليمية وتشتد وطأة النزاعات، يظل الرهان على الحكمة العُمانية بوصفها عنصرًا فاعلًا في دعم السلام والاستقرار؛ ومن واقع الإيمان المستقر في الوعي العُماني، قديمه وحديثه، ستبقى مسقط قادرة على الإسهام في إعادة بوصلة الاستقرار والأمان إلى رقعة الخليج العربي، وتعزيز التعاون بين الدول المشاطئة لمضيق هرمز.
