القيادة الواعية في عصر الهيمنة

 

 

 

د. علي بن حمد المسلمي

aha.1970@hotmail.com

تُعرَّف القيادة الواعية بأنها أسلوب إداري يراعي كيفية تحقيق الأهداف وتأثيرها على الناس والبيئة الواقعية. ويُعرَّف القائد الواعي بأنه الفرد الذي يمتلك وعيًا ذاتيًا يمكنه من فهم الواقع المعاش، والذي بدوره يمكنه من فهم احتياجات المجتمع ودوافعه ورفاهيته، مع الاحتفاظ بالهدوء والاتزان، مما يمكنه من اتخاذ قرارات فعالة وأخلاقية.

وفي ظل الأحداث الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، وفي فلسطين والخليج العربي وإيران، وما تحمله من تداعيات على شعوب المنطقة والعالم بفعل الحركة الصهيوأمريكية، فإن العالم بحاجة إلى قيادة واعية لإطفاء لهيب هذه الحرب المستعرة وانعكاساتها السلبية على البشر والحجر.

وسلطنة عُمان ليست بمنأى عن هذه التداعيات، بحكم موقعها الجغرافي وتحكمها في مضيق هرمز بالاشتراك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي يمر من خلاله ثلث طاقة العالم من البترول والغاز، وكذلك الأسمدة والموارد الأخرى. وبحكم السياسة المحايدة التي تنتهجها السلطنة كوسيط نزيه، كسبت احترام العالم أجمع، والتي بفضل جهودها حُلْحِلَت كثير من الأمور المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران، بفعل القيادة الواعية المستنيرة التي تضع من ضمن أولوياتها استقرار المنطقة بشكل خاص والعالم أجمع. وعُمان، منذ نهضتها المباركة، وهي ترفع شعار السلام، وتنتهج مبدأ الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، مما أكسبها احترام القاصي والداني على مستوى العالم.

وفي ظل المفاوضات الأخيرة الجارية التي تبذلها جمهورية باكستان الإسلامية الشقيقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية للتوصل إلى حل مستدام وعادل بين الطرفين، يحقق الاستقرار والأمان لدول المنطقة والعالم. نجد أن سلطنة عُمان ليست بمنأى عن هذه الأزمة، بحكم كونها وسيطًا نزيهًا بين الطرفين؛ حيث استضافت العديد من المحادثات، وأُبرمت في ظلها العديد من الاتفاقيات، وأبرزها الاتفاق الأمريكي الإيراني عام 2015 حول البرنامج النووي الإيراني في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وكذلك مشاطأتها للجمهورية الإيرانية عبر مضيق هرمز وعلاقتها الوثيقة معهما.

ويُعد مضيق هرمز ممرًا آمنًا للملاحة البحرية وفق القوانين الدولية المنظمة في هذا الشأن، وبفضل القيادة الواعية التي تنتهجها السلطنة ليكون هذا المضيق ممرًا آمنًا مع شقيقتها الجمهورية الإيرانية، بحكم سيادتهما على هذا المضيق ووقوعه في المياه الإقليمية للطرفين. فمن مصلحتهما تنظيم المرور في هذا الممر الاستراتيجي بما يتوافق مع الأعراف والقوانين الدولية، ليكون محميًا بإرادة سياسية لا تضر بمصلحتهما ولا بمصلحة العالم.

إن القيادة الواعية تمتاز بالهدوء والاتزان، ولا تضيرها ردود الأفعال مهما كانت فجة، ففهم الواقع يتطلب إرادة سياسية واقعية تعي حجم الأخطار المحدقة بها، وتتخذ قرارات واقعية بعيدة عن الانفعال والعاطفة. وفي ظل هذه الأحداث، وإدراك السلطنة لما يدور حولها من تغذية للحروب في العديد من البلدان العربية غير المستقرة، واستغلال الموانئ والممرات بطريقة غير آمنة ومسؤولة لخدمة مصالح وأهداف إمبريالية، تمسكت السلطنة بالسلام النظيف الذي يضمن سيادتها على جغرافيتها واستقرارها.

ونتيجة لمواقف عُمان الثابتة تجاه القضايا العربية والعالمية منذ بداية نهضتها، اكتسبت احترام العالم أجمع، مما حدا بكثير من دول العالم إلى استنكار التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي تجاه عُمان، وحتى من المسؤولين والصحفيين والصحف الأمريكية أنفسهم الذين دانوا تلك التصريحات باستهجان. غير أن القيادة الواعية في السلطنة، بحكم الإرث التاريخي الذي تستلهم منه سياستها، جعلتها تقف بثبات وعزيمة لا تنتقص من سيادتها، فهي دولة مستقلة ذات سيادة عبر محطات التاريخ المختلفة وعبر العصور.

إنَّ سلطنة عُمان عندما ترفع شعار السلام، فهو ليس هو سلام الإذعان، بل سلام الشجعان الذي لا ينتقص من سيادتها، وما ردود أبنائها تجاه تلك التصريحات إلّا غيض من فيض، بفضل القيادة الواعية التي تنتهجها السلطنة تجاه القضايا العربية والدولية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z