بائعات الألم

 

 

 

 

 

سعيد المالكي

 

في بعض البلدان التي اعتدنا أن نصفها بالفقيرة، لا يُثير مشهد الباعة الواقفين على الأرصفة كثيرًا من الدهشة. أكواب شاي، وقوارير ماء، ومأكولات خفيفة، وأجساد تقف منذ الصباح حتى المغيب تفاوض الشمس والبرد من أجل يومٍ أقل قسوة.

مشاهدَ نراها كثيرًا في المدن المكتظة التي يرهقها الفقر وتثقلها الملايين، فقد أصبحت جزءًا من الصورة الذهنية عن الأماكن التي تضيق بأهلها وتضيق بهم الحياة.

لكن للحزن طعمًا مختلفًا حين يصبح المشهد قريبًا. وحين لا يكون الحديث عن مدينة بعيدة، بل عن طرقات نعرفها، وإشارات نعبرها، ووجوه تشبه وجوه أهلنا.

في ظهيرةٍ صيفية، لا يبيع بعض الناس الماء فقط، بل يبيعون قدرتهم على الاحتمال.

هناك، قرب الطرق والأسواق، يقف رجال ونساء يبيعون الماء أو الشاي أو بعض المأكولات الخفيفة.
وقد يتقبل الناس وقوف الرجال للبيع في الشوارع؛ فالسعي من أجل الرزق ليس عيبًا، والعمل ـ مهما كان بسيطًا ـ يبقى أكثر كرامة من سؤال الناس.

لكن ثمة ما يوقظ الحزن والتساؤل معًا. مشهدُ النساء العمانيات اللاتي أصبحنا نراهُنَّ في الطرقات والأماكن العامة، وبعضهن برفقة أطفالهن، تحت شمس الصيف التي لا ترحم، أو برد الشتاء الذي لا يسأل عن أحد.

وليس الحزن هنا لأن البيع عيب، أو لأن العمل الشريف ينتقص من المرأة ــ حاشا ذلك. فالمرأة ليست كائنًا هشًا يُشفَق عليه لأنه يعمل، لكن كرامتها ــ شأن كرامة الإنسان عمومًا ــ ترتبط كذلك بظروف العمل وأسباب الاضطرار إليه.

القلب يتوقف عند سؤالٍ أثقل من المشهد نفسه: ما الذي أوصل امرأة إلى هذا المكان؟ وأيُّ طريقٍ من الضيق أو الحاجة أو انعدام البدائل جعل الرصيف مساحة رزق؟

وفي بلدٍ نسمع كثيرًا عن خيراته وموارده وفرصه، ويبدو عدد سكانه أقل من أن تضيق بهم الأرض أو تضنّ عليهم الإمكانات، يترك هذا المشهد في القلب حيرةً لا تمر مرور العابر.

قد يكون بعض هذا البيع بدافع تحسين الدخل أو استثمار الوقت، وربما توجد قصص نجاح تستحق الاحترام، لكن كثرة المشهد لا تسمح بالاكتفاء بهذه التفسيرات المريحة. والظواهر الاجتماعية لا تتكرر بهذا الشكل من فراغ. ولا يبدو أن الطريق أصبح خيارًا يتبعه الناس بدافع التقليد أو كموضةٍ اجتماعية جديدة، بقدر ما قد يكون آخر الأبواب التي تفتحها الحاجة حين تُغلق الأبواب الأخرى.

والمرأة التي تقف ساعات طويلة في الطريق، بين الحر والتعب ونظرات المارة ومشقة المكان، لا يبدو أنها خرجت- في أغلب الأحوال- بحثًا عن التسلية.

ولعل المفارقة التي تؤلم أكثر أن المرأة العمانية، والعربية المسلمة على وجه العموم، لم يكن مألوفًا أن تجعل الطريق مساحة رزق بهذه الصورة؛ فمهما قست الأزمنة، ظل العمل عند كثير من النساء مرتبطًا بمحيط البيت وما حوله. أما اليوم، فإن اتساع هذا المشهد يترك في القلب سؤالًا أثقل من قارورة ماء: ما الذي تغيّر؟

هنا يصبح السؤال أكبر من الأفراد.

أين تقف المؤسسات من هذا المشهد؟ وأين أثر الوعود والخطط وبرامج الحماية والدعم إذا كان الطريق نفسه بدأ يتحول إلى ملاذ اقتصادي؟

ليس المقصود تحميل جهة واحدة كل أوجاع المجتمع، ولا تجاهل مسؤولية الفرد والأسرة والظروف المتغيرة.

لكن من حق كل حريص على المجتمع أن يتساءل:

حين تقف بعض أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا تحت الشمس، يبعن ما خفّ حمله وثقل معناه، فهل نحن أمام حكايات فردية، أم أمام ألمٍ اجتماعي لم نجد من يصغي إليه مبكرًا؟

لأن المرأة التي تقف لبيع الماء، هي لا تبيع ماءً فقط، بل تبيع ألمًا.

تبيع ساعات من التعب لا يعلمها إلا الله. وربما تفاوِضُ الحياة على ما تبقى من الخيارات. وربما تحمل في صمتها قصةً أكبر من قارورة ماء وأثقل من كوبِ شاي.

بالتالي لا يحق لنا أن نسخر أو نتهم أو نختصر المشهد في الطمع أو حب المال.

لكن يحق لنا أن نحزن.

فالأوطان لا تُقاس فقط بما يُقال عنها، بل كذلك بما تُخفيه الأرصفة من قصصٍ صامتة.

وحين يصبح مشهد النساء الواقفات تحت الشمس مألوفًا إلى هذا الحد، فإن السؤال لا يعود عن البيع نفسه، بل عن الألم الذي يقف خلفه.

فكيف نصون كرامة المرأة العمانية؟ وكيف نساعد على أن يبقى العمل خيارًا كريمًا لا اضطرارًا موجعًا؟

وهل ما نراه مجرد تنوع في وسائل الرزق، أم أن بعض الأرصفة بدأت ترفع شكاوى صامتة لا نحب سماعها؟

الأكثر قراءة

z