محمد بن أحمد النهاري
تجود غزة في كلِّ تارةٍ بأرواحٍ تعيشُ بيننا وليست بيننا أرواحٌ مُعلقةٌ بالتجارةِ الرابحةِ وبالرجاءِ الذي ليس بعده أملٌ إنَّهُ الخلودُ! قادةٌ يخْلُفُهم قادةٌ على نفس النهجِ والدَّربِ الشاقِّ والرجاء هو نفسه الرجاء! حاولتُ بعلمي القليل وبصيرتي الرثّة فِهمَ حالِ الشهداءِ في الدنيا يوم القيامة عند سؤال الله تبارك وتعالى لهم وقد نالوا ما سألوا في الدنيا ووصلوا إلى رجائهم في الجنة لم هم! لم هم خاصة؟! يقولون يا الله أعدنا إلى الدنيا فنقاتل فنموت عشرا!
حار بي الأمر كثيرًا حتى أتى طوفان الأقصى المبارك وبصَّرني بما لم أُبصر به حينًا فتأملتُ طويلًا أحوالَ قادةِ غزةَ وما نالهم قبل المعركةِ وأثنائِها وعند استشهادِ القائدِ ثم القائدِ وكلُّ خبرِ استشهادٍ يفرِغُ عليَّ تفسيراتٍ عظيمةً لهذا الحديثِ الصحيحِ عن نبينا ﷺ، لماذا هم؟ أليس الطامعُ في الزيادةِ في الجنَّة هو الإنسان المقصّر الضعيف الذي يتخطفُهُ الشيطانُ في الدُّنيا تارةً ونفسُه تارةً وملذّاتُ الدُّنيا تارةً أُخرى ثم يُنجيه اللهُ برحمته فتطيرُ نفسُهُ غبطةً يومَ القيامةِ لِما رأى من كراماتِ الأنبياءِ والشهداءِ والصالحين؟ لماذا الشهيد إذن؟ ما وجدتُ حيلةً في الأمرِ إلا لأنَّ للشهيدِ صفةً خاصَّةً بين البشر فهو الذي يرى الدنيا مقبلةً عليه بزخرُفها فيأبى! وليس هناك عبر التاريخ حالةٌ عاشتها الدنيا في وفرةٍ كالذي نعيشها وقد مُلِئَت بزخارفِ المالِ والرئاسة والسطوة الماديّة على النفس التي لا يكاد يسلم منها أحدٌ ويتركها لأجل الله نيةً وعملًا وطمعًا فيما هو خير منها رجاءً!
نعم رجاءً.... انظر لسيد الطوفان يحيى السنوار وقد قاتل وحيدًا جائعًا مصابًا وخلفه زوجةً وأطفالٌ لم يكد يرزقهما بعد سجنه لقرابة ثلاثة عقود ويترك ذلك رجاءً ولا يبالي! انظر إلى زوجة الضيف وأطفالِهِ وهو من ناضلَ نضالًا وقضى عمرًا طويلًا في القتال حتى ارتقى سلم القيادة حالهم كحال الضعفاء والفقراء في غزة في مدرسة لجوء وحالا يُدمي القلب! إنه الرجاء!
انظر إلى الشاب الطامح المجتهد في الثانوية العامة حذيفة الكحلوت أبا عبيدة وقد أقبلت الدنيا عليه بعد سطوع نسبته ثم يُدبر عنها فيلتحق بركب الراجين إلى الله.. شابٌ برزت له الدنيا بزخرفها فيقول: كلا إنه جهادُ نصرٍ أو استشهاد. إنه الرجاء!
وما ذكرته إلا يسير من شجرة عظيمة وارفة الظل، شامخة الذكر مسقاة بالدم والعزة والإباء تحرث أبواب الحصاد بلا ضجر ولا سكون ولا قنوط من رزق الله ورحمته
فكأني لم أعِ المنزلةَ الخاصةَ للشهيد رغم قراءتي لآيات الكتاب العزيز واطّلاعي على المتواتر من الأحاديث الصحيحة والتراث الزاخر من المرويات في أحوال الشهيد حتى أتى طوفان الأقصى وأفاض علينا من بركاته ففهمت لماذا الشهيد خاصة يرجو يوم القيامة الحياة ثم الممات على نفس الطريق! إنه الرجاء الخالص ثم الكرامة الإلهية التي ليس لها نظير.
وأقتبسُ من قصة أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه³ قبل إسلامه عندما طلبه عظيم الروم هرقل فسأل عن أحوال النبي ﷺ فكان مم سُئل عنه " فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟" فقال " ضعفاؤهم" فقال " وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل" فميز النبي ﷺ لهرقل باتباع الضعاف له كحال الأنبياء من قبله لأن رسل الله يرجون أداء الرسالة ولا يطمعون في الدنيا وزخرفها.. وانظر إلى أحوال قادة غزة وأهلها وتجد البينة والدلالة ظاهرة عاشوا مما اعتاش الناس عليه وماتوا كما مات الناس وجاعوا كما جاع الناس وسجنوا كما سجن الناس وحوصروا كما حوصر الناس وابتُلوا في فقد الابن كما ابتلى الناس! إنه الحق الطيب الظاهر الجلي يميّزه الله لعباده ليستيقنوا ويستقيموا عليه ويستبشروا برجائه في الآخرة..
وإن عظم القصص والعبر والتضحية ونقاء المسار والمسيرة في غزة لفارقةٌ في التاريخ الحديث وعلُوَ عدوهم علوًا وفسادًا وكبرياءً ليس كقبله لمتغيرٌ فارق! عسى أن تكون فارقةً حاسمةً بين الباطل والحق شرارته طوفان الأقصى وانكشاف الصفوف وامتيازها وليس بعد ذلك إن شاء الله إلا تطهر والتتبير.
