أسماء باقوير
إذا تجمّدت المشاعر، فلن يرى الإنسان الحياة بالطريقة نفسها التي كان يراها من قبل. فالتجارب القاسية، ولا سيما الفقد، قد تترك في النفس أثرًا عميقًا يجعل الإنسان أقل تفاعلًا مع من حوله، وكأن جزءًا من إحساسه قد دخل في حالة من السكون.
ويُعدّ الفقد من أكثر التجارب الإنسانية تأثيرًا في الشخصية؛ فهو لا يترك أثره في القلب فحسب، بل قد يغيّر نظرة الإنسان إلى الحياة، ويدفعه إلى كتمان مشاعره وإخفاء ما يحمله في داخله من ألم. وقد يمتد هذا الحزن سنوات طويلة، خاصة عندما يكون الفقيد عزيزًا يصعب تعويض غيابه، فيبقى حضوره حيًّا في الذاكرة رغم رحيله.
ومع مرور الوقت، يتعلّم الإنسان التعايش مع الفقد، لكنه لا ينساه تمامًا. فهناك ذكريات توقظ الحنين، ومواقف تعيد إلى القلب وجع الغياب، وأحلام يرى فيها من أحب، فتمنحه لحظات من الأنس والطمأنينة، قبل أن يستيقظ ليواجه حقيقة الفراق من جديد.
إن تجمّد المشاعر لا يعني أن القلب قد مات، بل قد يكون وسيلةً دفاعية يلجأ إليها الإنسان ليحمي نفسه من ألم يفوق قدرته على الاحتمال. ومع الصبر والإيمان، ودعم من يحبونه، يبدأ هذا الجليد بالذوبان تدريجيًا، فتستعيد المشاعر دفئها، ويعود الإنسان إلى الحياة بقلب أكثر نضجًا ووعيًا. ومع ذلك، يبقى في أعماقه أثرٌ جميل لمن رحل، لأن بعض الغائبين لا يغادرون قلوبنا، مهما غابوا عن أعيننا.
