سعيد بن عبدالله الدارودي
في شهر ديسمبر من عام 2025م كتبت مقالاً بعنوان {ما هذا «التخربيق» يا شفيق؟}، ولقد نشرته صحيفةُ {رأي اليوم} الرقمية، وهو المقال الأول من عِدَّة مقالات خصصتها لنقد كتاب {الدارجة المغربية مجال توارد بين الأمازيغية والعربية} للأستاذ محمد شفيق.
وفي هذا المقال نذكر بعضاً من مزاعمه على تأثير البربرية في العامية المغربية؛ حيث يقول في كتابه {الدارجة المغربية مجال توارد بين الأمازيغية والعربية} بأنَّ إسكان الحرف الأول في العامية المغربية هو بسبب تأثرها بالبربرية، ولكن الواقع أنَّ الدارجة المغربية ليست منفردة بهذا، فكثير من دوارج المشرق العربي تبتدئ بالساكن بصفته قاعدة، والاستثناء هو أنْ تبتدئ بمتحرك؛ ويقول بأنَّ حذف همزة القطع أخذت العامية من البربرية، والواقع أنَّ الهَمْز منعدم في لهجاتنا العامية المشرقية، بحيث يُقال: بِيْر، ذِيْب، بدلاً من بئر، ذئب؛ ونحن في ظفار نقول “بْراهيم، بْوبكر، حْمَد” بدلاً من ” إبراهيم، أبوبكر، أحمد” ويقول بأنَّ الأفعال المزيدة من وزن (أفْعَلَ) مُقصاة عن الدارجة، تقوم مقامها، دائماً الأفعال التي من وزن (فعَّلَ)، فلا يقال في الدارجة أخْرَجَ ولا أدْخَلَ ولا أحْضَرَ، ولكن خَرَّج ودخَّل وحضَّر، والحقيقة أنَّ هذا ما يحدث في اللهجات الدارجة في المشرق العربي. فهل ـ يا ترى ـ يجهل شفيق ظواهر وخصائص اللهجات الدارجة المشرقية؟ أم أنه يعلمها، ولكنه يريد أن يُدلِّسَ على الناس؟ وكل أمر منهما يقدح في مصداقيته العِلْميَّة.
والآن إلى بعض من المفردات التي وردت في كتابِه، “قاطعاً” بأنها بربرية خالصة تسرَّبت في العامية المغربية:
مْرمد: فِعْل بمعنى عَنَّفَ وَقَرَّعَ؛ من البربرية إمرمد: عَنَّفَ وَقَرَّعَ. في الدارجة السعودية مَرْمَط: أهانَ، وأَذلَّ، وكذاك بمعنى عَنَّفَ وَقَرَّعَ بطريقة مهينة؛ واضح إبدال الطاء دالاً، والتعاقب بين (ط) و(د) يقع كثيراً، وذلك لأنهما متقاربين بصورة كبيرة في الصفات والمخرج، فهما حرفان مجهوران انفجاريان، وينتميان إلى عائلة الأصوات الأسنانية اللثوية.
دْوّح: فِعْل بمعنى هَدْهَدَ الطفلَ، أي حَرَّكَه لينام، الدّْوَّاح: المَهْدُ الذي يصلح للهدهدة، التّْدْواح: الهَدْهَدة؛ من البربرية إدْوّح: هَدْهَدَ الصبيَّ. في الدارجة اللبنانية تدودح: تعلَّقَ في الفضاء، والدودحة: التعلُّق في الفضاء، وفي الدارجة الأُردنية مدودَح: مُعلَّق في الهواء لا يستطيع النزول ولا الصعود، وفي الدارجة الظُفارية طَوَّح: تأرجحَ، والمطويحة هي الأرجوحة التي يتأرجح عليها الأطفال، ومن البداهة أنَّ الصَّبِيَّ لا يُهدد وهو على ملامس للقاع، بل يُهدد وهو مُعلَّق في الهواء بين ذراعي أُمِّه مثلاً، أو في مهد مرتفع عن الأرض، فهنا لم يخطأ شفيق فقط في نسبة الفِعْل “دْوّح” بمعنى هَدْهَدَ الطفلَ، إلى البربرية وإبعاده عن أي لسان عربي مشرقي، بل أخطأ كذلك ـ في معجمه الشهير؛ المعجم العربي / الأمازيغي ـ بجعل الفِعْل “إسهلولا” الذي جذره “هلل” ومعناه هَدْهَدَ الطفلَ لفظاً بربرياً خالصاً لا علاقة له بلهجات المشرق العربي، حيث إننا نجدُ، في إحدى اللهجات الظفارية وهي اللهجة الشَّحْرية، الفِعْلَ “أَهْلَل” معناه هَدْهَدَ الطفلَ.
شْخد: فِعْل بمعنى اضْطَرَمَ، تَلَظَى؛ من البربرية إشخد بنفس المعنى. ونجد في أكثر من لهجة مشرقية الفعل شْخَط بمعنى أضْرَمَ النارَ عن طريق ثقاب الكبريت، فهو في لهجتنا الدارجة الظُفارية، وثقاب الكبريت نسمّيه شَخْط، وكذلك شُخْط، وجمعه شْخوط، ونجد أن علبة الكبريت ـ ـ يُشتَقُّ اسمُها من الفعل “شخط”؛ فمن أسماء ثقاب الكبريت أو علبته، في بعض اللهجات المشرقية: الشُخطي، الشَخَّاطة، الشَّخْط، الشَّخَّاط.
الخنيف: نوع من البرانس أسود غير سابغ الأَرْفال؛ من البربرية أخنيف بنفس المعنى. في الدارجة العُمانيَّة الخِنيف: ثياب نسائية عُمانية رقيقة النسج، إلَّا أنَّ خيوطها غليظة [الملابس العمانية وصناعتها ـ عبد العزيز الخروصي ـ ص 155]. وللكلمة أصل في العربية الفصحى.
التّلِّيس: الغرارة. يقول شفيق في كتابه صفحة 33 و34: «… إنَّ بعض الألفاظ البربرية صارت أكثر شُيوعاً بينّ الناطقين بالعربية وحدها، فعوَّضها عند أمازيغيّي اللسان ما يُقابلها في العربية الفصحى، حتَّى إنَّ عامَّة الناس يَنسبون إلى العربية ما هو أمازيغي وإلى البربرية ما هو عربي. نسوق كمثال لذلك لفظة “التلِّيس” التي يَظنها الناس عربية، ولفظة “تاغرارت” التي يوقِن البربريُّ اللسان أنها أمازيغية، بينما الواقع هو العكس؛ أصل الكلمة الأولى هو أتلّيس، وأصل الكلمة الثانية هو “الغِرارة”، والمعنى واحد»، ويقول أيضاً في صفحة 78: «التّلِّيس، أي الغرارة، جاءت من البربرية أتلّيس، وهي من اللاتينية trilix ، اسم للنسيج الخشن المَتين الذي تُصنع منه الغرائر، فيما يراه Colin»، وجاء في الجزء الأول، الصفحة 229، من معجمه الشهير {المعجم العربي الأمازيغي}: «الجوالق: أتلّيس»، وجاء في الجزء الثاني، صفحة 179 من المعجم: «الغرارة: أتلّيس، لفظة لاتينية حسب Dozy»، وجاء أيضاً في الجزء الثاني من المعجم، صفحة 422: «الكيسُ: أتلّيس»؛ ولقد رد الدكتور علي فهمي خشيم في الصفحة رقم 71 من كتابه {الدارجة المغربية بين العربية والأمازيغية}، قائلاً: «التلّيسة: وعاء يُسوَّى من الخوص شبه قنعة، وهي شبه العيبة التي تكون عند القصارين (معجم لسان العرب)»، ويقول أيضاً في هامش الصفحة: «… أمَّا معجم اللاتينة التأثيلي فيعيد كلمة trelix إلى licium التي تفيد السدى والنسيج بصورة عامة (ولا تأثيل لها)، أي لا يُعرف أصلها». هنا نتساءل بما أن اللفظة وردت في معاجم اللغة العربية القديمة بصيغة “تلِّيسة”، فلماذا يذكر شفيق فقط رأي Dozy وColin في أصل هذه المفردة، وفي ذات الوقت يتجاهل وجودها في اللغة العربية؟
كْشف: حالَ اللونُ، أي تغيَّرَ وانكفأَ ونَصَلَ. من البربرية إكشف، بنفس المعنى. وفي الدارجة الكويتية كشف: حالَ اللونُ، أي تغيّرَ اللونُ ونصلَ، انظرْ كتاب {موسوعة كلمات ذابت مع الأيام} للأستاذة غنيمة الفهد ،الباحثة المختصة باللهجة الكويتية وتراثها، ولقد أهداني الصديق الكاتبُ والأديب الكويتي الأستاذ حسين الراوي نسخة من هذا الكتاب، أدام اللهُ عطاءه الفكري، ونصائحه لي في مجالات هو خبير بها، وأدرى بتفاصيلها وخفاياها أكثر مني.
